homme47
09-10-2010, 14:18
عن سعيد بن عبد العزيز ، عن ربيعه بن يزيد ،عن أبي إدريس الخولاني ،عن أبي ذر جندب بن جنادة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن الله تبارك وتعالى أنه قال : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ، يا عبادي ، كلكم ضال إلا من هديته : فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي ، كلكم جائع إلا من أطعمته : فإستطعموني أطعمكم ، يا عبادي، كلكم عارٍ إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي ، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً : فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي لو أن أولكم وأخركم ، وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد في ملكي شيئاً ، يا عبادي لو أن أولكم وأخركم ، وأنسكم وجنكم ، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئاً ، يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنكم ، قاموا في صعيد ، واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ، يا عبادي ، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) قال سعيد: كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. رواه مسلم(85)وروينا عن الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ قال: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث .
الشرح
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي ذر الغفاري ـ رضي الله عنه ـ في باب المجاهدة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما يرويه عن ربه ـ تبارك وتعالى ـ يعني أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ حدث عن الله أنه قال ... إلى آخره ، وهذا يسمى عند أهل العلم بالحديث القدسي ، أو الحديث الإلهي ، أما ما كان من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه يسمى بالحديث النبوي .
وهذا الحديث القدسي يقول الله تعالى فيه : ( يا عبادي ، إني حرمت الظلم على نفسي )، أي ألا أظلم أحداً ، لا بزيادة سيئات لم يعملها ، ولا بنقص حسنات عملها ، بل هو ـ سبحانه وتعالى ـ حكم ، عدل ، محسن ، فحكمه وثوابه لعباده دائر بين أمرين : بين فضل وعدل ، فضل لمن عمل الحسنات ، وعدل لمن عمل السيئات ، وليس هناك شيء ثالث وهو الظلم .
أما الحسنات فإنه ـ سبحانه وتعالى ـ يجازي الحسنة بعشر أمثالها ، من يعمل حسنة يثاب بعشر حسنات ، أما السيئة فبسيئة واحدة فقط ، قال الله تعالى في سورة الأنعام ـ وهي مكية : ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الأنعام:160) ، ولا يظلمون بنقص ثواب الحسنات ، ولا يظلمون بزيادة جزاء السيئات ، بل ربنا ـ عز وجل ـ يقول : ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) (طـه:112) ، ظلماً بزيادة في سيئاته ، ولا هضماً بنقص من حسناته .
وفي قوله تعالى : ( إني حرمت الظلم على نفسي ) دليل على أنه ـ جل وعلا ـ يحرم على نفسه ، ويوجب على نفسه ، فمما أوجب على نفسه : الرحمة ، قال تعالى : ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة) (الأنعام:54) ، ومما حرم على نفسه : الظلم ، وذلك لأنه فعال لما يريد ، يحكم بما يشاء ، فكما أنه يوجب على عباده ويحرم عليهم ؛ يوجب على نفسه ويحرم عليها ـ جل وعلا ـ، لأن له الحكم التام المطلق .
وقوله تعالى : ( وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ) أي لا يظلم بعضكم بعضاً ، والجعل هنا هو الجعل الشرعي ، وذلك لأن الجعل الذي أضافه الله إلى نفسه : إما أن يكون كونياً مثل قوله تعالى : ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً ) (النبأ:10، 11) ، وإما أن يكون شرعياً مثل قوله تعالى : ( مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ ) (المائدة:103) ، ما جعل : أي ما شرع ، وإلا فقد جعل ذلك كوناً ، لأن العرب كانوا يفعلون هذا ، ومثل هذا الحديث : ( جعلته بينكم محرماً ) أي جعلته جعلاً شرعياً لا كونياً ، لأن الظلم يقع .
وقوله : (جعلته بينكم محرماً ) ،الظلم بالنسبة للعباد فيما بينهم يكون في ثلاثة أشياء بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وهو يخطب الناس في حجة الوداع : ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، ألا هل بلغت ؟ قالوا :نعم ، قال: اللهم فأشهد )(86) . فهذه ثلاثة أشياء : الدماء ، والأموال ، والأعراض .
فالظلم فيما بين البشر حرام في الدماء ، فلا يجوز لأحد أن يتعدى على دم أحد ، ولا على دم تفوت به النفس وهو القتل ، ولا على دم يحصل به النقص ، كدم الجروح ، وكسر العظام ، وما أشبهها ، كل هذا حرام لا يجوز .
وأعلم أن كسر عظم الميت ككسره حياً ، كما جاء ذلك عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام (87)ـ ، فالميت محترم لا يجوز أن يؤخذ من أعضائه شيء ، ولا أن يكسر من أعضائه شيء ، لأنه أمانة وسوف يبعث بكامله يوم القيامة ، وإذا كان كذلك فلا يجوز أن تأخذ منه شيئاً .
ولهذا نص فقهاء الحنابلة ـ رحمهم الله على أنه لا يجوز أن يؤخذ من الميت شيء من أعضائه ، ولو أوصى به ، وذلك لأن الميت محترم ، كما أن الحي محترم . كسر عظم الميت ككسره حياً ، فإن أخذنا من الميت عضواً ، أو كسرنا منه عظماً ، كان ذلك جناية عليه ، وكل اعتداءً عليه ، وكنا آثمين بذلك .
والميت نفسه لا يستطيع أن يتبرع بشيء من أعضائه ، لأن أعضاءه أمانة عنده ، أمانة لا يحل له أن يفرط فيها ، ولهذا قال الله تعالى : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) ، فسرها عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ بالإنسان إذا كان عليه جنابة ، وكان في البرد ، وخاف أن اغتسل أن يتضرر ، جعل عمرو بن العاص هذا داخلاً في الآية ، وذلك حين كان عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ في سرية ، وأجنب ، وكانت الليلة باردة فتيمم ، وصلى بأصحابه ، فلما رجعوا إلى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وبلغه الخبر ، قال : ( يا عمرو ، صليت بأصحابك وأنت جنب ) ـ يعني لم تغتسل ـ ؟ قال : يا رسول الله ، إني ذكرت قول الله تعالى : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً)(88) (النساء:29) ، وخفت البرد فتيممت ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ، وأقره على فعله وعلى استدلاله بالآية ، ولم يقل : إن الآية لا تدل على هذا .
فإذن كل شيء يضر أبداننا ، أو يفوت منها شيئاً ، فإنه لا يحل لنا أن نفعله ، لقوله تعالى : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) . فما حرم علينا أن نتناول الدخان وغيره من الأشياء الضارة إلا من أجل حماية البدن ، فالبدن محترم . فقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( دماءكم ) ، يشمل الدم الذي يهلك به الإنسان وهو القتل ، والدم الذي بدون ذلك ، وهو الجرح ، أو كسر العظم ، أو ما أشبه ذلك .
أما قوله صلى الله عليه وسلم : ( وأموالكم ) فإن الأموال قد حرم الله ـ سبحانه وتعالى ـ على بعضنا أن يأخذ من مال أخيه بغير حق ، بأي نوع من الأنواع ؛ سواء أخذه غصباً بأن يأخذ بالقوة ، أو أخذه سرقة ، أو اختطافاً ، أو خيانة ، أو غشاً ، أو كذباً ، بأي نوع من هذه الأنواع يأخذه ، فإنه حرام عليه .
وعلى هذا فالذين يبيعون على الناس بالغش ـ ولا سيما أهل الخضار ـ فإن كل مالٍ ، بل كل قرش يدخل عليهم من زيادة في الثمن بسبب الغش ؛ فإنه حرام ، فالذين يغشون في البيع أو في الشراء يرتكبون محظورين :
المحظور الأول : العدوان على إخوانهم المسلمين بأخذ أموالهم بغير حق .
المحظور الثاني : أنهم ينالون تبرؤ النبي صلى الله عليه وسلم منهم ، وبئس البضاعة بضاعة يلتحق فيها صاحبها بالبراءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه : ( من غشنا فليس منا )(89) .
ومن ذلك ما يفعله بعض الجيران ، حيث تجده يدخل المراسيم على جاره من أجل أن تزيد أرضه ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ( من اقتطع من الأرض شبر بغير حق ، فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين)(90) يكون يوم القيامة من سبع ارضين ، في عنقه طرق من سبع أرضين ـ والعياذ بالله ـ يحمله في يوم المحشر . وهذا من الظلم .
ومن الظلم أيضاً : أن يكون لشخص على شخص دراهم ، ثم ينكر الذي عليه الحق ، ويقول : ليس لك عندي شيء ، فهذا من أكل المال بالباطل ، حتى لو فرض أنه تحاكم إلى القاضي مع خصمه ، وغلبه عند القاضي ، فإنه لا يغلبه عند الله ، قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ( إنكم تختصمون إلى ، لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فاقضي له ، وإنما أقضي بنحو ما أسمع ، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه ؛ فإنما أقتطع له جمرة من نار ، فليستقل أو ليستكثر )(91) فلا تظن أنك إن غلبت خصمك عند القاضي ، وكنت مبطلاً ، تسلم بهذا في الآخرة أبداً ؛ لأن القاضي إنما يقضي بنحو ما يسمع ولا يعلم الغيب ، ولكن علام الغيوب ـ جل وعلا ـ هو الذي يحاسبك يوم القيامة .
وكذلك أيضاً من أكل الأموال : أن يدعي شخص على آخر ما ليس له ، ويقيم على ذلك البينة بالشهادة الزور ، ويحكم له بذلك ، فإن هذا من أكل المال بالباطل ، والأمثلة على ذلك كثيرة ، ولكنها كلها محرمة إذا لم تكن بحق ولهذا قال ـ عز وجل ـ ( فلا تظالموا ) .
أما الأعراض فهي أيضاً حرام ، فلا يحل للإنسان أن يقع في عرض أخيه ، فيغتابه في المجلس أو يسبه ، فإن ذلك من كبائر الذنوب . قال الله عز وجل : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) (الحجرات:12) أنظر للترتيب : أجتنبوا كثيراً من الظن ، فإن ظن الإنسان بأخيه شيئاً تجسس عليه ، ولهذا قال : (وَلا تَجَسَّسُوا) ، فإذا تجسس صار يغتابه ، ولهذا قال في الثالثة : (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) . ثم قال تعالى : ( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً ) ؟ الجواب : لا . لا يجب ، بل يكره ، ولهذا قال : ( فَكَرِهْتُمُوهُ ) ، قال بعض المفسرين : إذا كان يوم القيامة ، فإنه يؤتي بالرجل الذي اغتابه الشخص ، يمثل له بصورة إنسان ميت ، ثم يقال له : كل من لحمه ، ويكره على ذلك ، وهو يكرهه ، لكن يكره على هذا عقوبة له ، والعياذ بالله .
فالغيبة ـ وهي انتهاك عرض أخيك ـ محرمة ، وقد روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ليلة عرج به بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم ، يعني يكرون الوجوه والصدور بهذه الأظفار التي من النحاس ، فقال : ( يا جبريل ، من هؤلاء ؟ ) قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويفعلون في أعراضهم(92). نعوذ بالله .
ثم أن الإنسان إذا انتهك عرض أخيه ، فإن أخاه يأخذ في الآخرة من حسناته ، ولهذا يذكر أن بعض السلف قيل له : إن فلان يغتابك ، فقال : مؤكداً ؟ قال : نعم ، اغتابك ، فصنع هدية له ، ثم بعث بها إليه ، فاستغرب الرجل ! كيف يغتابه ، ويرسل له هدية ؟ قال : نعن إنك أهديت إلي حسنات ، والحسنات تبقى ، وأن أهديت إليك هدية تذهب في الدنيا ، فهذه مكافأة على هديتك لي , انظر فقه السلف ـ رضي الله عنهم .
فالحاصل أن الغيبة حرام ، ومن كبائر الذنوب ، ولا سيما إذا كانت الغيبة في ولاة الأمور من الأمراء أو العلماء ، فإن غيبة هؤلاء أشد من غيبة سائر الناس ، لأن غيبة العلماء تقلل من شأن العلم الذي في صدورهم ، والذي يعلمونه الناس ، فلا يقبل الناس ما يأتون به من العلم ، وهذا ضرر على الدين ، وغيبة الأمراء تقلل من هيبة الناس لهم ؛ فيتمردون عليهم وإذا تمرد الناس على الأمراء فلا تسأل عن الفوضى :
لا يـصـلـح الـنـاس فــوضـــى لا ســراة لــهــم
ولا ســـراة إذا جـــهــــالـهــم ســـــادوا
فنسأل الله أن يحمينا وإياكم مما يغضبه ، إنه جواد كريم .
ثم قال الله تعالى : ( يا عبادي ، كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدني أهدكم )، ضال يعني : تائهاً، أي لا يعرف الحق ، ضال يعني : غاوياً لا يقبل الحق ، فالناس في الضلال قسمان :
قسم تائه : لا يعرف الحق . من النصارى ، فإن النصارى ضالون ، تائهون ، لا يعرفون الحق إلا بعد أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنهم عرفوا الحق لكنهم استكبروا عنه ، فلم يكن بينهم وبين اليهود فرق في أنهم علموا الحق ولم يتبعوه .
وقسم غاو : أي اختار الغي على الرشد بعد أن علم بالرشد، وهؤلاء مثل اليهود ، فإن اليهود عرفوا الحق ولكنهم لم يقبلوا ، بل ردوه .
ومن ذلك قوله تبارك وتعالى : ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) (فصلت: 17) ، هداهم الله ، وبين لهم ، ودلهم ، لكنهم استحبوا العمى على الهدى ، واستحبوا الغي على الرشد ، فالناس كلهم ضالون إلا من هدى الله .
لكن ؛ ما هي هداية القسم الأول ، وهو الضال الذي لم يعرف الحق ؟ هداية القسم الأول : أن يبين الله لهم الحق ويدلهم عليه ، وهذه الهداية حق على الله ، حق على الله أوجبه الله على نفسه ، فكل الخلق قد هداهم الله بهذا المعنى ، يعني بمعنى البيان ، قال الله تعالى : ( إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) (الليل:12) ، وقال تعالى : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ ) (البقرة:185) ، هدى للناس عموماً .
ولكن الهداية الثانية ، هي هداية التوفيق لقبول الحق ، هذه هي التي يختص الله بها من يشاء من عباده ، فالهداية هديتان هداية بيان الحق ، وهذه عامة لكل أحد ، وقد أوجبها الله على نفسه ، وبين لعباده الحق من الباطل ، وهداية توفيق لقبول الحق والعمل به ، تصديقاً للخبر وقياماً بالطلب ، وهذه خاصة يختص الله بها من يشاء من عباده .
والناس في هذا الباب ينقسمون إلى أقسام :
القسم الأول : من هدي الهدايتين ، أي علمه الله ووفقه للحق وقبوله .
والقسم الثاني : من حرم الهدايتين ، فليس عنده علم ، وليس له عبادة .
والقسم الثالث : من هدي بالدلالة والإرشاد، ولكنه لم يهد هداية التوفيق ، وهذا شر الأقسام ، والعياذ بالله .
والمهم أن الله ـ عز وجل ـ يقول : ( كلكم ضال )، أي كلكم لا يعرف الحق . أو كلكم لا يقبل الحق ، إلا من هديته ( فاستهدوني أهدكم ) يعني : اطلبوا الهداية مني ، فإذا طلبتموها ؛ فإنني أجيبكم وأهديكم إلى الحق ، ولهذا جاء الجواب في : ( استهدوني أهدكم ) ، وكأنه جواب شرط ، ليتحقق المشروط عند وجود الشرط ، ودليل هذا أن الفعل جزم ( استهدوني أهدكم ) ، فمتى طلبت الهداية من الله بصدق وافتقار إليه ، وإلحاح ، فإن الله يهديك.
ولكن أكثرنا معرض عن هذا ، فأكثرنا قائم بالعبادة ، لكن على العادة ، وعلى ما يفعل الناس ، كأننا لسنا مفتقرين إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ في طلب الهداية ، فالذي يليق بنا : أن نسأل الله دائماً الهداية ، والإنسان في كل صلاة يقول : رب اغفر لي ، ارحمني واهدني بل إنه في كل صلاة : يقول على سبيل الركنية : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) (الفاتحة:7) ، ولكن أين القلوب الواعية ؟! إن أكثر المصلين يقرأ هذه الآية ، وتمر عليه مر الطيف ، أي مر الغيم الذي يجري بدون ماء ، وبدون شيء ، ولا ينتبه لها .
والذي يليق بنا أن نتنبه ، وأن نعلم أننا مفتقرون إلى الله ـ عز وجل ـ في الهداية ، سواء الهداية العلمية ، أو الهداية العملية ، أي هداية الإرشاد والدلالة ـ أو هداية التوفيق ، فلابد أن نسأل الله دائماً الهداية .
( فاستهدوني أهدكم ) وربما تشمل هذه الجملة الطريق الحسي ، كما تشمل الطريق المعنوي ، فالهداية للطريق المعنوي : هي الهداية إلى دين الله ، والهداية للطريق الحسي : كأن تكون في أرضه قد ضللت الطريق وضعت ، فمن تسأل ؟ فإنك تسأل الله الهداية ، ولهذا قال الله عن موسى صلى الله عليه وسلم : ( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) (القصص:22) ، أي السبيل المستوي الموصل للمقصود بدون تعب ، وقد جرب هذا ، فإن الإنسان إذا ضاع في البر فإنه يلجأ إلى الله تعالى ويقول : رب أهدني سواء السبيل، أو عسى ربي أن يهديني سواء السبيل، ، وذلك لأننا محتاجون إلى الله في الهدايتين ؛ هداية الطريق الحسي ، كما أننا محتاجون إلى الله في الهداية إلى الطريق المعنوي . نسأل الله أن يهدينا جميعاً الهداية فيمن هدى .
ثم قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه : ( يا عبادي ، كلكم جائع إلا من أطعمته ، فإستطعموني أطعمكم ، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم ) ، هاتان الجملتان الخاصتان بالجوع والعرى ذكرهما الله ـ عز وجل ـ بعد أن ذكر الهداية ، لأن في الهداية غذاء القلب بالعلم والإيمان ، والجوارح بالعمل الصالح .
يتبع
الشرح
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي ذر الغفاري ـ رضي الله عنه ـ في باب المجاهدة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما يرويه عن ربه ـ تبارك وتعالى ـ يعني أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ حدث عن الله أنه قال ... إلى آخره ، وهذا يسمى عند أهل العلم بالحديث القدسي ، أو الحديث الإلهي ، أما ما كان من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه يسمى بالحديث النبوي .
وهذا الحديث القدسي يقول الله تعالى فيه : ( يا عبادي ، إني حرمت الظلم على نفسي )، أي ألا أظلم أحداً ، لا بزيادة سيئات لم يعملها ، ولا بنقص حسنات عملها ، بل هو ـ سبحانه وتعالى ـ حكم ، عدل ، محسن ، فحكمه وثوابه لعباده دائر بين أمرين : بين فضل وعدل ، فضل لمن عمل الحسنات ، وعدل لمن عمل السيئات ، وليس هناك شيء ثالث وهو الظلم .
أما الحسنات فإنه ـ سبحانه وتعالى ـ يجازي الحسنة بعشر أمثالها ، من يعمل حسنة يثاب بعشر حسنات ، أما السيئة فبسيئة واحدة فقط ، قال الله تعالى في سورة الأنعام ـ وهي مكية : ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الأنعام:160) ، ولا يظلمون بنقص ثواب الحسنات ، ولا يظلمون بزيادة جزاء السيئات ، بل ربنا ـ عز وجل ـ يقول : ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) (طـه:112) ، ظلماً بزيادة في سيئاته ، ولا هضماً بنقص من حسناته .
وفي قوله تعالى : ( إني حرمت الظلم على نفسي ) دليل على أنه ـ جل وعلا ـ يحرم على نفسه ، ويوجب على نفسه ، فمما أوجب على نفسه : الرحمة ، قال تعالى : ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة) (الأنعام:54) ، ومما حرم على نفسه : الظلم ، وذلك لأنه فعال لما يريد ، يحكم بما يشاء ، فكما أنه يوجب على عباده ويحرم عليهم ؛ يوجب على نفسه ويحرم عليها ـ جل وعلا ـ، لأن له الحكم التام المطلق .
وقوله تعالى : ( وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ) أي لا يظلم بعضكم بعضاً ، والجعل هنا هو الجعل الشرعي ، وذلك لأن الجعل الذي أضافه الله إلى نفسه : إما أن يكون كونياً مثل قوله تعالى : ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً ) (النبأ:10، 11) ، وإما أن يكون شرعياً مثل قوله تعالى : ( مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ ) (المائدة:103) ، ما جعل : أي ما شرع ، وإلا فقد جعل ذلك كوناً ، لأن العرب كانوا يفعلون هذا ، ومثل هذا الحديث : ( جعلته بينكم محرماً ) أي جعلته جعلاً شرعياً لا كونياً ، لأن الظلم يقع .
وقوله : (جعلته بينكم محرماً ) ،الظلم بالنسبة للعباد فيما بينهم يكون في ثلاثة أشياء بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وهو يخطب الناس في حجة الوداع : ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، ألا هل بلغت ؟ قالوا :نعم ، قال: اللهم فأشهد )(86) . فهذه ثلاثة أشياء : الدماء ، والأموال ، والأعراض .
فالظلم فيما بين البشر حرام في الدماء ، فلا يجوز لأحد أن يتعدى على دم أحد ، ولا على دم تفوت به النفس وهو القتل ، ولا على دم يحصل به النقص ، كدم الجروح ، وكسر العظام ، وما أشبهها ، كل هذا حرام لا يجوز .
وأعلم أن كسر عظم الميت ككسره حياً ، كما جاء ذلك عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام (87)ـ ، فالميت محترم لا يجوز أن يؤخذ من أعضائه شيء ، ولا أن يكسر من أعضائه شيء ، لأنه أمانة وسوف يبعث بكامله يوم القيامة ، وإذا كان كذلك فلا يجوز أن تأخذ منه شيئاً .
ولهذا نص فقهاء الحنابلة ـ رحمهم الله على أنه لا يجوز أن يؤخذ من الميت شيء من أعضائه ، ولو أوصى به ، وذلك لأن الميت محترم ، كما أن الحي محترم . كسر عظم الميت ككسره حياً ، فإن أخذنا من الميت عضواً ، أو كسرنا منه عظماً ، كان ذلك جناية عليه ، وكل اعتداءً عليه ، وكنا آثمين بذلك .
والميت نفسه لا يستطيع أن يتبرع بشيء من أعضائه ، لأن أعضاءه أمانة عنده ، أمانة لا يحل له أن يفرط فيها ، ولهذا قال الله تعالى : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) ، فسرها عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ بالإنسان إذا كان عليه جنابة ، وكان في البرد ، وخاف أن اغتسل أن يتضرر ، جعل عمرو بن العاص هذا داخلاً في الآية ، وذلك حين كان عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ في سرية ، وأجنب ، وكانت الليلة باردة فتيمم ، وصلى بأصحابه ، فلما رجعوا إلى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وبلغه الخبر ، قال : ( يا عمرو ، صليت بأصحابك وأنت جنب ) ـ يعني لم تغتسل ـ ؟ قال : يا رسول الله ، إني ذكرت قول الله تعالى : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً)(88) (النساء:29) ، وخفت البرد فتيممت ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ، وأقره على فعله وعلى استدلاله بالآية ، ولم يقل : إن الآية لا تدل على هذا .
فإذن كل شيء يضر أبداننا ، أو يفوت منها شيئاً ، فإنه لا يحل لنا أن نفعله ، لقوله تعالى : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) . فما حرم علينا أن نتناول الدخان وغيره من الأشياء الضارة إلا من أجل حماية البدن ، فالبدن محترم . فقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( دماءكم ) ، يشمل الدم الذي يهلك به الإنسان وهو القتل ، والدم الذي بدون ذلك ، وهو الجرح ، أو كسر العظم ، أو ما أشبه ذلك .
أما قوله صلى الله عليه وسلم : ( وأموالكم ) فإن الأموال قد حرم الله ـ سبحانه وتعالى ـ على بعضنا أن يأخذ من مال أخيه بغير حق ، بأي نوع من الأنواع ؛ سواء أخذه غصباً بأن يأخذ بالقوة ، أو أخذه سرقة ، أو اختطافاً ، أو خيانة ، أو غشاً ، أو كذباً ، بأي نوع من هذه الأنواع يأخذه ، فإنه حرام عليه .
وعلى هذا فالذين يبيعون على الناس بالغش ـ ولا سيما أهل الخضار ـ فإن كل مالٍ ، بل كل قرش يدخل عليهم من زيادة في الثمن بسبب الغش ؛ فإنه حرام ، فالذين يغشون في البيع أو في الشراء يرتكبون محظورين :
المحظور الأول : العدوان على إخوانهم المسلمين بأخذ أموالهم بغير حق .
المحظور الثاني : أنهم ينالون تبرؤ النبي صلى الله عليه وسلم منهم ، وبئس البضاعة بضاعة يلتحق فيها صاحبها بالبراءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه : ( من غشنا فليس منا )(89) .
ومن ذلك ما يفعله بعض الجيران ، حيث تجده يدخل المراسيم على جاره من أجل أن تزيد أرضه ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ( من اقتطع من الأرض شبر بغير حق ، فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين)(90) يكون يوم القيامة من سبع ارضين ، في عنقه طرق من سبع أرضين ـ والعياذ بالله ـ يحمله في يوم المحشر . وهذا من الظلم .
ومن الظلم أيضاً : أن يكون لشخص على شخص دراهم ، ثم ينكر الذي عليه الحق ، ويقول : ليس لك عندي شيء ، فهذا من أكل المال بالباطل ، حتى لو فرض أنه تحاكم إلى القاضي مع خصمه ، وغلبه عند القاضي ، فإنه لا يغلبه عند الله ، قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ( إنكم تختصمون إلى ، لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فاقضي له ، وإنما أقضي بنحو ما أسمع ، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه ؛ فإنما أقتطع له جمرة من نار ، فليستقل أو ليستكثر )(91) فلا تظن أنك إن غلبت خصمك عند القاضي ، وكنت مبطلاً ، تسلم بهذا في الآخرة أبداً ؛ لأن القاضي إنما يقضي بنحو ما يسمع ولا يعلم الغيب ، ولكن علام الغيوب ـ جل وعلا ـ هو الذي يحاسبك يوم القيامة .
وكذلك أيضاً من أكل الأموال : أن يدعي شخص على آخر ما ليس له ، ويقيم على ذلك البينة بالشهادة الزور ، ويحكم له بذلك ، فإن هذا من أكل المال بالباطل ، والأمثلة على ذلك كثيرة ، ولكنها كلها محرمة إذا لم تكن بحق ولهذا قال ـ عز وجل ـ ( فلا تظالموا ) .
أما الأعراض فهي أيضاً حرام ، فلا يحل للإنسان أن يقع في عرض أخيه ، فيغتابه في المجلس أو يسبه ، فإن ذلك من كبائر الذنوب . قال الله عز وجل : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) (الحجرات:12) أنظر للترتيب : أجتنبوا كثيراً من الظن ، فإن ظن الإنسان بأخيه شيئاً تجسس عليه ، ولهذا قال : (وَلا تَجَسَّسُوا) ، فإذا تجسس صار يغتابه ، ولهذا قال في الثالثة : (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) . ثم قال تعالى : ( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً ) ؟ الجواب : لا . لا يجب ، بل يكره ، ولهذا قال : ( فَكَرِهْتُمُوهُ ) ، قال بعض المفسرين : إذا كان يوم القيامة ، فإنه يؤتي بالرجل الذي اغتابه الشخص ، يمثل له بصورة إنسان ميت ، ثم يقال له : كل من لحمه ، ويكره على ذلك ، وهو يكرهه ، لكن يكره على هذا عقوبة له ، والعياذ بالله .
فالغيبة ـ وهي انتهاك عرض أخيك ـ محرمة ، وقد روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ليلة عرج به بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم ، يعني يكرون الوجوه والصدور بهذه الأظفار التي من النحاس ، فقال : ( يا جبريل ، من هؤلاء ؟ ) قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويفعلون في أعراضهم(92). نعوذ بالله .
ثم أن الإنسان إذا انتهك عرض أخيه ، فإن أخاه يأخذ في الآخرة من حسناته ، ولهذا يذكر أن بعض السلف قيل له : إن فلان يغتابك ، فقال : مؤكداً ؟ قال : نعم ، اغتابك ، فصنع هدية له ، ثم بعث بها إليه ، فاستغرب الرجل ! كيف يغتابه ، ويرسل له هدية ؟ قال : نعن إنك أهديت إلي حسنات ، والحسنات تبقى ، وأن أهديت إليك هدية تذهب في الدنيا ، فهذه مكافأة على هديتك لي , انظر فقه السلف ـ رضي الله عنهم .
فالحاصل أن الغيبة حرام ، ومن كبائر الذنوب ، ولا سيما إذا كانت الغيبة في ولاة الأمور من الأمراء أو العلماء ، فإن غيبة هؤلاء أشد من غيبة سائر الناس ، لأن غيبة العلماء تقلل من شأن العلم الذي في صدورهم ، والذي يعلمونه الناس ، فلا يقبل الناس ما يأتون به من العلم ، وهذا ضرر على الدين ، وغيبة الأمراء تقلل من هيبة الناس لهم ؛ فيتمردون عليهم وإذا تمرد الناس على الأمراء فلا تسأل عن الفوضى :
لا يـصـلـح الـنـاس فــوضـــى لا ســراة لــهــم
ولا ســـراة إذا جـــهــــالـهــم ســـــادوا
فنسأل الله أن يحمينا وإياكم مما يغضبه ، إنه جواد كريم .
ثم قال الله تعالى : ( يا عبادي ، كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدني أهدكم )، ضال يعني : تائهاً، أي لا يعرف الحق ، ضال يعني : غاوياً لا يقبل الحق ، فالناس في الضلال قسمان :
قسم تائه : لا يعرف الحق . من النصارى ، فإن النصارى ضالون ، تائهون ، لا يعرفون الحق إلا بعد أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنهم عرفوا الحق لكنهم استكبروا عنه ، فلم يكن بينهم وبين اليهود فرق في أنهم علموا الحق ولم يتبعوه .
وقسم غاو : أي اختار الغي على الرشد بعد أن علم بالرشد، وهؤلاء مثل اليهود ، فإن اليهود عرفوا الحق ولكنهم لم يقبلوا ، بل ردوه .
ومن ذلك قوله تبارك وتعالى : ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) (فصلت: 17) ، هداهم الله ، وبين لهم ، ودلهم ، لكنهم استحبوا العمى على الهدى ، واستحبوا الغي على الرشد ، فالناس كلهم ضالون إلا من هدى الله .
لكن ؛ ما هي هداية القسم الأول ، وهو الضال الذي لم يعرف الحق ؟ هداية القسم الأول : أن يبين الله لهم الحق ويدلهم عليه ، وهذه الهداية حق على الله ، حق على الله أوجبه الله على نفسه ، فكل الخلق قد هداهم الله بهذا المعنى ، يعني بمعنى البيان ، قال الله تعالى : ( إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) (الليل:12) ، وقال تعالى : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ ) (البقرة:185) ، هدى للناس عموماً .
ولكن الهداية الثانية ، هي هداية التوفيق لقبول الحق ، هذه هي التي يختص الله بها من يشاء من عباده ، فالهداية هديتان هداية بيان الحق ، وهذه عامة لكل أحد ، وقد أوجبها الله على نفسه ، وبين لعباده الحق من الباطل ، وهداية توفيق لقبول الحق والعمل به ، تصديقاً للخبر وقياماً بالطلب ، وهذه خاصة يختص الله بها من يشاء من عباده .
والناس في هذا الباب ينقسمون إلى أقسام :
القسم الأول : من هدي الهدايتين ، أي علمه الله ووفقه للحق وقبوله .
والقسم الثاني : من حرم الهدايتين ، فليس عنده علم ، وليس له عبادة .
والقسم الثالث : من هدي بالدلالة والإرشاد، ولكنه لم يهد هداية التوفيق ، وهذا شر الأقسام ، والعياذ بالله .
والمهم أن الله ـ عز وجل ـ يقول : ( كلكم ضال )، أي كلكم لا يعرف الحق . أو كلكم لا يقبل الحق ، إلا من هديته ( فاستهدوني أهدكم ) يعني : اطلبوا الهداية مني ، فإذا طلبتموها ؛ فإنني أجيبكم وأهديكم إلى الحق ، ولهذا جاء الجواب في : ( استهدوني أهدكم ) ، وكأنه جواب شرط ، ليتحقق المشروط عند وجود الشرط ، ودليل هذا أن الفعل جزم ( استهدوني أهدكم ) ، فمتى طلبت الهداية من الله بصدق وافتقار إليه ، وإلحاح ، فإن الله يهديك.
ولكن أكثرنا معرض عن هذا ، فأكثرنا قائم بالعبادة ، لكن على العادة ، وعلى ما يفعل الناس ، كأننا لسنا مفتقرين إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ في طلب الهداية ، فالذي يليق بنا : أن نسأل الله دائماً الهداية ، والإنسان في كل صلاة يقول : رب اغفر لي ، ارحمني واهدني بل إنه في كل صلاة : يقول على سبيل الركنية : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) (الفاتحة:7) ، ولكن أين القلوب الواعية ؟! إن أكثر المصلين يقرأ هذه الآية ، وتمر عليه مر الطيف ، أي مر الغيم الذي يجري بدون ماء ، وبدون شيء ، ولا ينتبه لها .
والذي يليق بنا أن نتنبه ، وأن نعلم أننا مفتقرون إلى الله ـ عز وجل ـ في الهداية ، سواء الهداية العلمية ، أو الهداية العملية ، أي هداية الإرشاد والدلالة ـ أو هداية التوفيق ، فلابد أن نسأل الله دائماً الهداية .
( فاستهدوني أهدكم ) وربما تشمل هذه الجملة الطريق الحسي ، كما تشمل الطريق المعنوي ، فالهداية للطريق المعنوي : هي الهداية إلى دين الله ، والهداية للطريق الحسي : كأن تكون في أرضه قد ضللت الطريق وضعت ، فمن تسأل ؟ فإنك تسأل الله الهداية ، ولهذا قال الله عن موسى صلى الله عليه وسلم : ( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) (القصص:22) ، أي السبيل المستوي الموصل للمقصود بدون تعب ، وقد جرب هذا ، فإن الإنسان إذا ضاع في البر فإنه يلجأ إلى الله تعالى ويقول : رب أهدني سواء السبيل، أو عسى ربي أن يهديني سواء السبيل، ، وذلك لأننا محتاجون إلى الله في الهدايتين ؛ هداية الطريق الحسي ، كما أننا محتاجون إلى الله في الهداية إلى الطريق المعنوي . نسأل الله أن يهدينا جميعاً الهداية فيمن هدى .
ثم قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه : ( يا عبادي ، كلكم جائع إلا من أطعمته ، فإستطعموني أطعمكم ، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم ) ، هاتان الجملتان الخاصتان بالجوع والعرى ذكرهما الله ـ عز وجل ـ بعد أن ذكر الهداية ، لأن في الهداية غذاء القلب بالعلم والإيمان ، والجوارح بالعمل الصالح .
يتبع