yacin
28-05-2008, 12:56
تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة هو مستودع خبراتها ، بخيرها وشرها ، وإيجابياتها وسلبياتها ، ونجاحاتها وإخفاقاتها ، وسدادها وشططها ، وعقلانيتها ونزقها ، هي تجربة إنسانية بكل ما يعتمل فيها ، وهي جديرة بأن يتم تسجيلها لكي تستفيد منها الأجيال الجديدة فلا تبدأ من الصفر دائما ولا تكرر الأخطاء نفسها التي سبق ارتكابها وتستثمر المكتسبات التي تحققت لتنميتها وتطويرها ، هذا النقص المؤسف في تأريخ الحركة الإسلامية في المغرب ليس وقفا عليها وإنما هو نقص متعد لمعظم مناطق العالم العربي ، ففي مصر على سبيل المثال لا يكاد يوجد أي تأريخ جاد لتجربة الحركة الإسلامية المعاصرة على مدار قرابة أربعين عاما مضت ، منذ هزيمة الجيش المصري في حرب يونيو 1967 حيث تفجرت روح الغضب في الأجيال الجديدة وبدأت تبحث عن البديل ، حيث ولدت الحركة الإسلامية في خضم هذا الغضب وحتى اليوم ، مرورا بنشأة الجماعات الإسلامية المتعددة وتحول بعضها من العمل الدعوي إلى الصدام المسلح مع السلطة ونزوع بعضها إلى العمل السياسي والمشاركة في الانتخابات ونحوها ، وهي تجربة بالغة الثراء ومفعمة بالخبرات الواسعة والكثيفة ، وأزعم أن الكثير من الحركات والتوجهات والنزعات التي شهدتها بلدان عربية أخرى فيما بعد ، بما في ذلك افكار التكفير وما شابهها ، كان لها نموذجها كاملا في مصر ، ولو كان هناك تأريخ جاد وعلمي لهذه التجارب لكان من أهم ثمارها إفادة الأجيال الجديدة وحمايتها من الانسحاب إلى مثل نزعات التكفير وغيرها من منازع الغلو والتطرف ، ومن ثم فإني أؤكد على أن الاهتمام بتاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة هو عمل جليل له أهميته العملية وأهميته الأخلاقية وأهميته الدعوية ، ولقد قابلت الكثيرين من صناع هذا التاريخ ورجالاته الأحياء وكنت أجد عند كل منهم من الحماسة والتأييد ما يكفي ويفيض للاهتمام ببدء عمل كبير ومسؤول في هذا المجال ، ولكن الأمر لا يتعدى هذه الحماسة ، وأدركت أن مثل هذا العمل الجليل لا يمكن القيام به من قبل أفراد أو جهود لها طابع فردي ، فهذا غير ممكن ، لاعتبارات عديدة ، يأتي في مقدمتها حاجة مثل هذا الجهد إلى التفرغ الكامل ممن يعكفون على عملية التأريخ ، وهذا يستدعي توفير إمكانيات مادية معقولة تكفل له ذلك التفرغ حتى يتم إنجاز العمل بصورة متكاملة ودؤوبة ، خاصة وهناك مئات الآلاف من الوثائق والأوراق المبعثرة لدى محامين وصحافيين وسياسيين وأجهزة قضائية مختلفة ناهيك عن الشهادات الحية من أصحاب الحركة وشهودها ، والحصول عليها وأرشفتها والإفادة منها يحتاج إلى جهد علمي متكامل وصبور وهذا لا يتأتى بجهد فرد مهما كان ، والاعتبار الثاني أن العمل الفردي في كتابة تاريخ الحركة الإسلامية سيكون متأثرا بنزعات الفرد وربما أهوائه ، مما يجعل الجهد التأريخي غير مقبول لدى الأجيال الجديدة ومطعونا فيه ، وقد رأينا مؤخرا شاهدا صارخا على هذا الأمر ، عندما أصدر الأستاذ منتصر الزيات المحامي كتابا عن جانب من تاريخ الحركة الإسلامية المصرية ، وقد نشر قبل ذلك مسلسلا في عدد من الصحف منها الحياة اللندنية ، فأثار الكتاب احتجاج الكثيرين من رموز تلك المرحلة ، واعتبروه تزييفا للتاريخ وليس تجلية له ، ونشرت العديد من الردود في هذا الصدد منها كتابات لكل من الأستاذ كمال السعيد حبيب وهو أحد رموز تلك المرحلة الصاخبة في الحركة الإسلامية المصرية ، وكتابات للأستاذ ممدوح إسماعيل المحامي وهو من أبناء تلك التجربة كما أنه محامي للعديد من الرموز القيادية في الحركة الإسلامية المصرية ، وكلا التعقيبين كان مفعما بالتكذيب شبه الكامل لما ورد في كتاب الزيات ، وإلى الحد الذي اتهموه فيه باختلاق الأحداث وليس فقط الخلط فيها ، ولذلك ، فالجهد الفرد سيكون غالبا متأثرا بهوى صاحبه ووجهة نظره ولن تكون له مصداقية تذكر لدى أبناء الحركة الإسلامية أو أجيالها الجديدة ، وفقدان المصداقية يفقد العمل كله قيمته ، لأن المأمول أن يكون التاريخ هو مستودع الخبرات للأجيال الجديدة تستلهم الدروس والعبر وتكون على بصيرة من أمرها في مستقبل حياتها ، وفي تقديري أن التأريخ للحركة الإسلامية ينبغي أن تنشأ له مؤسسات مستقلة يكون لها وقف معقول للإنفاق عليها ، ومن الممكن أن تكون هناك مؤسسة دولية أم ، تشرف على مثل هذا الجهد الكبير ويتفرع منها قطاعات متخصصة ، كل قطاع يعكف على تجربة قطر من الأقطار أو منطقة من المناطق ، كتجربة الحركة الإسلامية في مصر أو السودان أو الشام أو العراق أو الخليج أو تونس أو تركيا أو غيرها ، فهل ينشط لذلك الجهد الطيب ناشطون من أبناء الأمة ، هذا ما نأمله ، وذلك ما نرجوه