BOUDAOUD
18-02-2011, 15:21
بسم الله الرحمن الرحيم.
إلى كل محبي قراءة التأريخ
من الواضح أن من أهم منجزات الصحوة البورجوازية "تصنيف العلوم وتبويبها",واستقلال بعضها عن البعض الاخر,وظهور علوم جديدة لها مباحثها ومناهجها.
وعلى ذلك فليس من المستغرب أن يشهد حقل المعرفة التاريخية الظاهرة نفسها,فيظهر التاريخ كعلم مستقل بذاته عن المعارف الأخرى,ويفيد منها في الوقت عينه,ويصبح "مصطلح التاريخ"_ الذي ظهر إبان بواكير بورجوازية ما قبل الاسلام- شائعا في عصر الصحوة البورجوازية بعد غيبة طويلة إبان العصور السابقة.وتلك ملاحظة بالغة الخطورة على ارتباط العلم بالبورجوازية ,ومن ثم صدق مقولة سوسيولوجية الفكر.
ونتلمس كذلك تأثيرات الصحوة في تقدير علم التاريخ- الذي كان ينظر الى مباحثه وموضوعاته قبل الصحوة نظرة استخفاف – وتبجيل المؤرخين باعتبار "بضاعتهم" "من العوامل المؤثرة في تيارات الحياة...وتؤدي دورا تربويا وسياسيا فعالا".ومعلوم أن ارتباط العلم بالحياة وتكريسه لخدمة أغراض عملية,سمة بارزة من سمات الفكر الليبر الى البورجوازي.وهذا ينفي الرأي القائل بأن "حاجة العرب الى العلم إنبثقت من الدين".
وتقود حقيقة سوسيولوجية نشأة علم التاريخ الإسلامي الى مناقشة آراء الدارسين بصدد تلك النشأة.وتكاد هذه الآراء جميعا تضرب في اتجاه واحد وهو النشأة العربية المحضة,وإن أشارت بعضها الى وجود تأثيرات أجنبية طفيفة.
يقول العلامة أحمد أمين "إن تأريخ حوادث الإسلام في عصوره الأولى كان إسلاميا بحتا ونتيجة تطور طبيعي من الداخل..فلم تحدث تأثيرات من اليونان أو الفرس في حياة المؤرخين الأوائل ".
والمؤرخ في عصر الصحوة البورجوازية – وفي كل عصور الاستنادة – عليه أن يتخذ موقفا "تقويميا" للماضي وكذا الحاضر المعاش,وإلا تخلى عن مهمته الحقيقية.
ويصبح التاريخ في الحالة تلك"مجرد قصص وأخبار,ونهاية معرفته,الأحاديث والأسمار".وهو ما ساد دائما في عصور "الجهالة" الإقطاعية.
ومؤرخو الصحوة البورجوازية عبروا عن الفكر التاريخي كما يجب أن يكون,فكان لهم رؤاهم ومواقفهم,ومع ذلك لم ينزلقوا الى مزالق "اللاموضوعية" في الغالب الأعم.
وحسبما ذكر أحمد أمين نفسه أتاحت "ليبرالية" الصحوة لمؤرخي المعارضة انتقاد بني العباس فيما يستحق الانتقاد,ولم يتقاعسوا عن ذكر بعض مآثر الأمويين.
ومع ذلك لا يمكن إنكار وجود بعض مزالق وهنات شابت بعض أعمال بعض المؤرخين عفواً أو قصداً,وهو أمر مألوف في كل العصور لمن عرك ميدان التاريخ.ومهمة المؤرخ الكشف عن مواطن الزيف,ولن يعدم من الوسائل ما يعين على ذلك,خاصة إذا تعددت الاتجاهات وتباينت الرؤى واختلطت الروايات.ويصبح هذا التعدد والتباين والخلط إثراء لعمل المؤرخ,إذ بقدر ما تراكمت التناقضات بقدر ما أصبح الوصول الى الحقيقة في المتناول,لأن الحقيقة لا تموت رغم محاولات طمسها.
والمنهج القوي أداة المؤرخ النابه في الكشف عن الزيف وإجلاء الحقيقة والعصمة من الزلل,لأنه الوسيلة الناجعة والمعينة "على نقل الحقيقة في ذاتها الى تصور ذهني منطقي في النهاية".
والمنهج إنجاز للعقل البشري في رحلته الطويلة من أجل تيسير إدراك المعرفة,ومن ثم يصبح نتاجا لتفاعل العقل مع التجربة.لذلك لا قيمة ألبتة لمعرفة لم "تعقلن",كما يحلق العقل في فراغ الوهم بدون مادة معرفية يعمل عمله فيها.وهنا تصدق مقولة ابن خلدون في مشروعية تدخل عقل المؤرخ في موضوع عمله,حيث رأى "أن البصيرة تنقد الصحيح إذا تعقل,والعلم يجلوها كصفحات القلوب ويصقل,والناقد البصير قسطاس نفسه في تزييف ما ينقل".وكذا تبجيل سبنيوز للعقل في حقل التاريخ حيث قال:"إن العقل لديه قدرة الكشف عن الزيف على الأقل اذا استعصمت عليه الحقيقة".
نخلص من هذه الوقفة بأن نشأة علم التاريخ كانت نشأة صحيحة,لأن العلم ولد في عصر سيادة البورجوازية بفكرها الليبرالي,وجاءت كتطور طبيعي مواكب لنقلة سوسيولوجية وثقافية,كانت تتويجا لجهود سابقة اضطلع بها الرواة والإخباريون في العصور السابقة.ويعزى الفضل في استقلال العلم وصياغة مناهجه الى جيل من المؤرخين الرواد كالطبري والبلاذري وابن قتيبة واليعقوبي وغيرهم في الشرق,وابن عبد الحكم في مصر,وابن الصغير في المغرب,وعبد الملك بن حبيب وابن القوطية في الأندلس.
ولا غرو فقد أشاد ابن خلدون بهم في معرض تعريضه بالمؤرخين اللاحقين,فاعتبر السابقين "فحول المؤرخين"واللاحقين "عالة عليهم".
ولنحاول إبراز التأثيرات السوسيولوجية في أعمال هؤلاء المؤرخين ودورها في توجيه رؤاهم التاريخية.
وأول ما يلاحظ في هذا الصدد أن نشأة علم التاريخ وظهور المؤرخين لم تكن ظاهرة شرقية قحة,بمعنى أن الغرب الإسلامي أسهم بمؤرخيه الرواد في الحركة التاريخية.صحيح أن مؤرخي الغرب آنذاك لم يصلوا الى مكانة زملائهم المشارقة لكن مجرد ظهورهم في تلك الحقبة وتأثرهم بأعمال مؤرخي الشرق,دليل ناصع على سيولة الثقافة الإسلامية بفضل المد البورجوازي الذي غمر العالم الإسلامي شرقا وغربا.
ويلاحظ أيضا أن السواد الأعظم من المؤرخين الرواد كانوا إفرازاً للمد البورجوازي اجتماعيا وإديولوجيا,ولا غرور فقد انتموا الى الموالي الذين سادوا الحياة الإسلامية إبان الصحوة.كما اعتنقوا إديولوجيات ليبرالية ,حيث كان أغلبهم من الشيعة المعتدلة والمعتزلة – ومعلوم أن التشيع والاعتزال امتزجا في عصر الصحوة الى حد كبير – والقليل النادر انتمى الى اليسار المتطرف "الخوارج",أو اليمين المحافظ "السنة".وإن دل ذلك على شيء فعلى سيادة الفكر الليبرالي كرد فعل لسيادة البورجوازية .و هذا يفسر تحامل مؤرخي السنة على مؤرخي الليبرالية في الوقت نفسه الذي أفادوا فيه من إنجازهم.وتفسير تلك الحقيقة مسايرة الاتجاهات المتطرفة للنمط الاقتصادي – الاجتماعي والفكري السائد,وتطوير معتقداتها بما يتسق وروح العصر,وتلك قاعدة تشهد على سوسيولوجية الفكر.
إذ سنلاحظ قاسما مشتركا واضحا في مناهج المؤرخين بعامة من حيث موسوعية الثقافة,نتيجة الأسفار والرحلات في طلب العلم,وتوسيع النظرة للتاريخ لتحتوي التاريخ العالمي,فضلاً عن شيوع روح النقد في تمحيص الروايات,والموضوعية – في الغالب الأعم – في الأحكام,وتقدم "تكنيك "العرض التاريخي من حيث الترتيب الحولي,والاهتمام بلب الموضوع أكثر من التعويل على الإسناد,الى غير ذلك مما سنتناوله بالتحليل ثم التركيب والتنظير.
ومن المحقق أن استقصاء الأصول الا جتماعية والاتجاهات الإيديولوجية لهؤلاء المؤرخين,قائمين بترسيخ تلك الحقائق,فالسواد الأعظم – كما قلنا – كانوا ينتمون الى البورجوازية بفكرها الليبرالي.وعلى سبيل المثال كان الطبري (ت 310ه) موسراً يتعيش من ضيعة في طبرستان,الأمر الذي أتاح له أن يتفرع للفكر بعامة والتاريخ بخاصة,كما عرف بميوله الشيعية المعتدلة,حيث أنكر تطرف الخوارج والرافضة.ولايعني ذلك أنه عبر عن وجهة نظر السلطة كما ذهب روزنتال,فتاريخه خير شاهد على نزاهته العلمية كما سنوضح بعد قليل.وأبو حنيفة الدينوري( ت 282 ه) كان تاجراً معتزلي المذهب شيعي الهوى,وسينعكس ذلك على ثقافة الموسوعية الواسعة التي ارتبطت بالاعتزال.
وأحمد بن طاهر طيفور (ت 270 ه) كان مؤدب كتاب معتزلي المذهب,ولا غرو فقد حظي برضى الخليفة المأمون .وتنم وظيفته عن تكريس التاريخ في خدمة أغراض عملية وهو مظهر من مظاهر العلم البورجوازي.
والبلاذي (ت 248 ه) كان مؤدباً شأنه شأن ابن طيفور.وإذا ما علمنا أن الخليفة المعتز عينه مربيا لابنه عبد الله,وأن الخليفة كان مغضوبا عليه من الأستقراطية العسكرية التركية,أدركنا شيئا عن ميوله المذهبية الاعتزالية التي أخفاها في عصر انتكاس الاعتزال تقية , لأن مذهب أهل السنة قد أعيد إحياؤه منذ خلافة المتوكل.
أما ابن قتيبة (ت 270 ه ) فقد اشتغل بالقضاء,وعرف بتشيعه.كذلك كان اليعقوبي كاتبا معتزليا.
تلكم هي جمهرة المؤرخين الرواد الأعلام الذين أفرزتهم الصحوة البورجوازية في الشرق بأصولهم الطبقية وانتماءاتهم الإديولوجية.وسيكون لذلك تأثيره على فكرهم التاريخي,حيث صنفوا تواريخ عالمية تجاري التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي أنجزته البورجوازية.
ومن مظاهر تأثيرات الصحوة كذلك,مااشتهر به هؤلاء المؤرخون الرواد من "الرحلة في طلب العلم ".ومعلوم أن النشاط التجاري المتنامي عقد أواصر الاتصال بين كافة بقاع العالم الإسلامي براً وبحراً,كما كانت قوافل الحجيج تجتاز المسالك والممالك وتلتقي جميعا في الديار المقدسة.وفي الحالتين معا أتيح لأهل العلم سهولة الحركة والاتصال واللقياوونجم عن ذلك تبادل المعارف والأفكار الى جانب تبادل السلع وأداء الشعائر.وشجعت سهولة الأتصال على قيام أهل العلم " برحلات علمية " محضة بهدف التعلم أو التعليم.
ولاشك أن المؤرخين بزوا غيرهم في هذا الصدد,لما تميله طبيعة عملهم من ضرورة الرحلة لجمع المعلومات.فالطبري مثلا " رحل الى العراق والشام ومصر", والبلاذي كان له رحلة وراء المعرفة " فزار البلاد التي كتب عن فتوحها ",واليعقوبي كان مؤرخا وجغرافيا ورحالة جاب البلدان وألف عنها.
ولاشك أن الرحلة في طلب العلم أثرت معارف هؤلاء المؤرخين, فألموا بثقافة عصرهم الدينية والدنيوية.إشتغل الطبري الى جانب التاريخ بالفقه والحديث والتفسير,وأبو حنيفة الدينوري "جمع بين حكمة الفلاسفة وبيان العرب وله حظ وافر في علم النجوم وأسرار الفلك"- على حد وصف أبي حيان التوحيدي – بالإضافة الى معرفة بعلوم النبات والرياضيات,فضلا عن التفسير واللغة والأدب .والبلاذري اشتهر بثقافة موسوعية شأنه شأن أعلام المعتزلة.وابن قتيبة أنموذج فذ في ثقافته الواسعة,يشهد على ذلك كتابه "المعارف",فضلا عن إحاطة دقيقة بالسياسية وخباياها,كما ينطق بذلك كتابه الإمامة والسياسة".واليعقوبي برع في الفلك وكرسه لخدمة التاريخ,وكتابه "البلدان" دليل على معارفه الواسعة في مجال الجغرافيا الطبوغرافية والبشرية.
وبديهي ان تنعكس هذه الثقافة الموسوعية على جهودهم في حقل التاريخ موضوعا ومنهجا وفكرا,فقد موضوع العلم ووسعت مباحثه ليغطي تاريخ العالم.كتب الطبري تاريخا للبشرية منذ الخليقة حتى عام 298 ه, وتاريخ الدينوري " الأخبار الطوال" تاريخ عالمي حتى خلافة المعتصم,وابن طيفور عرض لتاريخ الخلافة العباسية حتى عصر المأمون بالإضافة الى تقديم تراجم للشعراء ومختارات من دواوينهم,ومصنفه عن "تاريخ بغداد" بالرغم كونه تاريخا محليا,إلا أنه يمتاز عن التواريخ المماثلة- كتاريخ الموصل للأزدي- بتعدد موضوعاته ومباحثه,وخاصة في الشؤون الاقتصادية و الاجتماعية.
وقد نالت هذه المباحث حيزا هائلا فيما صنفه البلازدي من مؤلفات,فكتابه "أنساب الأشراف" أعظم من أن يكون مؤلفا في الطبقات,وتبرز قيمته الحقيقية في تقديم معلومات اقتصادية على درجة من الأهمية أفاد هو منها في تكوين رؤيته التاريخية,يتجلى ذلك في حملته العنيفة على الأرستقراطيتين القديمة والمستحدثة في عصره,والكتاب يؤكد خبرته الفذة في أمور الاقتصاد,ولا غرو فقد تتلمذ على أبي عبيد بن سلام مؤلف كتاب "الأموال".وفي "فتوح البلدان"برهن البلاذري على تفرد في ميادين النظم والأوضاع الاجتماعية والشؤون الإدارية بزفيها معاصريه.
وابن قتيبة أرخ للتطور السياسي في العالم الإسلامي,كاشفا النقاب عن استتار الساسة بالدين,مبرزا دور الأهواء والأطماع والمصالح فيما شجر من صراعات سياسية.وفي كتابه "المعارف" توسيع لدائرة التاريخ لتشمل فضلا عن السير والأنساب والمغازي والفرق,مظاهر العمران البشري ,وخاصة في جانبه الثقافي.
وتاريخ اليعقوبي يدخل في إطار "التواريخ العالمية"ولكن بصورة موجزة,حيث حفل بعرض المعالم الأساسية,وضرب صفحا عن التفصيلات.و كتابه "البلدان" نوع من الأدب الجغرافي التاريخي المتطور,أبرز فيه تأثير الجغرافيا في التاريخ.ولا مبالغة إذا اعتبرناه أول مؤلف إسلامي في مجال "الجيوبولتيكا".وفي الكتابين معا ينم عن احتفاله بالتاريخ الثقافي.
وفيما يتعلق بالمنهج,نلاحظ اهتمام بعض المؤرخين الرواد بالإسناد كما فعل الطبري,أو إغفاله كما هو شأن اليعقوبي.وفي الحالتين معا يظهر التدقيق في تحري الأخبار,فالطبري ذكر الروايات المتاحة كافة وأسندها الى رواتها.واليعقوبي اهتم بجمع الوثائق وذكرها في مواضعها.فضلا عن حرصه على مساءلة شهود العيان,يقول في هذا الصدد"....وقد اتصلت أسفاري ودام تغربي , فكنت متى لقيت رجلا من تلك البلدان سألته عن وطنه ومصره وبلده وساكنيه ودياناتهم ومقالاتهم....ثم أثبت كل مايخبرني به من أثق بصدقه,وأستظهر بمسألة قوم بعد قوم حتى سألت خلقا كثيرا من الناس".والبلاذري أعمل النقد في الروايات حتى أثر عنه مذهب الشك الى حد الوسوسة,وتلك خلة حميدة لمن يشتغل بالتاريخ.أما ابن قتيبة فعزف تماما عن الإسناد,واهتم بتسلسل القصة التاريخية في المحل الأول.
وبخصوص نمط الكتابة,فقد ساد الأخذ بالنظام الحولي وخاصة في المصنفات الكبرى,كما هو حال الطبري.بينما فرضت طبيعة الموضوعات تقنية تناولها,بحيث عول البلاذري مثلا على تعقيب الحدث وتتبعه عبر السنين,فطفر بفنية الكتابة طفرة كبرى من حيث معالجة الأحداث كوحدة لاتتجزأ.
وفي الحالين معا استخدم المنطق في الرصد التاريخي,إذ راعى المؤرخون تسلسل الرواية وتنسيقها,في لغة سلسة ومباشرة لا تحفل بالتنميق والبديع بقدر اداء المعاني في وضوح ومع ذلك انطوت لغة هؤلاء المؤرخين – وخاصة ابن قتيبة – على بيان راق وأسلوب أدبي فني رفيع.
أما عن التفسير والتأويل,فقد أنكر بعض الدارسين على المؤرخين الرواد حقيقة إمكانية وجود رؤى تاريخية لديهم,إستنادا الى قول أحدهم- وهو اليعقوبي- "وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أخطرت ذكره فيه مما شرطت أني راسمه فيه إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه,والآثار التي أنا مسندها الى رواياتها,دون ماأدرك بحجج العقول واستنبط بفكر النفوس إلا اليسير القليل".
وبديهي أن هذا النص لا ينطق دليلا على افتقار اليعقوبي – وزمرته – الى الرؤية الخاصة للتاريخ,فمن النص ذاته يفهم تعويله على التفسير والاستنباط والتأويل.ومن الخطأ أن نتصور وجود رؤى شاملة لدى هؤلاء المؤرخين الباكرين,إذ أن مهمتهم الأولى كانت تدوين الأحداث وتسجيل الوقائع وليس "فلسفة التاريخ".فلم يقدر لمثل تلك الفلسفات أن تظهر في التاريخ العالمي برمته قبل ابن خلدون,بل إن ابن خلدون نفسه لم يلتزم تماما بماأنجزه في مقدمته من فلسفة حين أرخ كتابه "العبر".
ومع ذلك فدراسة أعمال المؤرخين الرواد تكشف عن وجود رؤى وتصورات وآراء وقواعد عامة استنبطوها من خلال معاركة الاشتغال بالتاريخ,بحيث يمكن القول بأن كل مؤرخ كان لديه مفهوم عن "فكرة التاريخ"انعكس تأثيره على ما كتب وصنف من أعمال.وأن حصاد هذه المفاهيم جميعا يشكل رؤية عامة للتاريخ تساير طبيعة النهضة الثقافية التي أفرزتها الصحوة البورجوازية.
فالبلاذري مثلا أبرز تأثيرالعوامل الاقتصادية والاجتماعية في التطور التاريخي,دون أن يعي وقوفه على قاعدة نظرية علمية صحيحة.والمهم أن تلك القاعدة عملت عملها في توجيه اهتمامه نحو الموضوعات الاقتصادية والإدارية والأوضاع الطبقية.
ونعلم أيضاً أن مؤرخا كاليعقوبي ربط بين حركة الأفلاك وبين الوقائع والأحداث,كما ركز على التاريخ الثقافي أكثر من الاهتمام بالسير والأخبار.وابن قتيبة نسج وقائع التاريخ الإسلامي من خلال تصور صراع سياسي حول موضوع الإمامة.والدينوري أبرز – دون وعي فيما نعتقد – إنعكاس الواقع على الأدب حين دبج تاريخه بنماذج شعرية متسقة مع طبيعة ما يروي من أحداث.وكل أولئك استخدموا العقل وأفادوا من المنطق وكافة علوم العصر في كتاباتهم.
(أكثر من ذلك,تتضح في هذه الكتابات المواقف الشخصية لأصحابها سواء من الأوضاع السائدة التي عاصروها,أو في تقييم أحداث الماضي ووقائعه.كل ذلك وغيره قمين بأن نحكم – في اطمئنان – بأن مؤرخي الصحوة البورجوازية طوروا الفكر التأريخي,وأحدثوا نقله في موضوعاته ومناهجه ورؤاه,تلك الرؤى التي تتسم بالعقلانية "والدنيوية" والشمول,وهي سمات مميزة للفكر الليبرالي الذي أفرزته الصحوة البورجوازية.)
ولعل في قول اليعقوبي "فمهما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضيين ممن يستنكره قارئه من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة,ولامعنى في الحقيقة ,فيعلم أنه لم يؤت في ذلك من قلنا" مايؤكد وجود عوائق كانت تحول بين اليعقوبي – وأصحابه – دون الإفصاح عن كل ما أحاطوا به من فهم ونظر في فكرتهم عن التاريخ.ولا غرو فقد رجم الحنابلة دار الطبري بالحجارة,وسفه أهل الأثر أعمال ابن قتيبة..وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على ما سبق أن رددناه من أن المد البورجوازي لم يصل الى نهاية مطافه لينجز ثورة شاملة,فقد ظلت بقايا الإقطاعية بفكرها النصي الغيبي تمارس فعالية – ولو ثانوية – على الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية.
بل لم يسلم حتى مؤرخو الليبرالية من آفات هذا الوضع,بحيث انطوت أعمالهم على قدر غير ضئيل من الغيبة والأسطورية.ومع ذلك فحسبهم ما أنجزوا من أعمال ظلت مصادر لمن جاء بعدهم من المؤرخين.
بقي أن نعرض لمكانة الفكر التاريخي عند مؤرخي الخوارج والسنة,بحيث يعتبر ما قدموه في هذا الصدد من إسهامات شيئا هامشيا,نظرا لهامشية دور القوى الاجتماعية التي انتموا اليها على الصعيدين السياسي والاقتصادي,وبالتالي على المستوى الثقافي,مما يؤكد سوسيولوجية الفكر.
ومعلوم أن الخوارج – رغم اعتدال أفكارهم تحت تأثير الصحوة البورجوازية,وإقامتهم دولاً مستقلة في الغرب الإسلامي ذات طابع بورجوازي متطور- ظلوا محافظين على تقاليدهم المذهبية التي انعكست على فكرهم التاريخي.
حقيقة أن عوامل سياسية حالت دون وصول مؤلفات الخوارج الأول في حقل التاريخ,بحيث يصعب الحكم عليها.ولكن النصوص المتواترة في كتب اللاحقين تلقي بعض الضوء في تفسير افتقار المؤرخين الرواد على تناول تاريخهم وحسب.فتشير رسالة للبرادي الى مصنفات هؤلاء المؤرخين في الشرق والغرب,ويعدد ابن النديم أسماء هؤلاء المؤرخين كاليمان بن الرباب ويحيي بن كامل والصيرفي وعبد الله بن زيد وإبراهيم بن إسحق والهيثم وغيرهم من المشارقة,ويصف مصنفاتهم بأنها "مستورة".كذلك نعلم من سير الشماخي أن مؤرخا إباضيا شهيرا,يدعى ابن سلام صنف كتابا في السير اعتمد عليه اللاحقون.ويخبرنا مؤرخ خارجي متأخر أن ديوان الإباضية بجبل نفوسة كان يحوي أكداسا هائلة من الكتب بعضها يتعلق بتاريخ المذهب وأعلامه,كما كانت المكتبة المعصومة بتاهرت تحوي بدورها مصنفات في السير والتاريخ.
وبالرجوع الى نصوص هؤلاء الرواد في كتب المتأخرين,لاحظنا أن موضوع التاريخ اقتصر – كما قلنا – على سير شيوخ المذهب وأعلامه,فضلا عن نشاط الخوارج السياسي في الشرق والغرب.تفسير ذلك أن الخوارج كانوا يكفرون من ليس على مذاهبهم,ولم يعترفوا بالحكومات الإسلامية برمتها,لذلك تغاضوا عن كتابة تواريخ عامة أو عالمية.
والملاحظة الثانية,أن هذه المدونات الأولى كانت متخلفة في مناهجها وجه عام,فهي تفيض بالخوارق والأساطير,وتفيض في ذكر المناقب والكرامات.وتلك نتيجة طبيعية لجماعات عاشت مضطهدة منذ ظهور المذهب من قبل الحكومات الإسلامية كافة,فالأفكار تتحجر حين تتقوقع ,وتتطرف حين تضطهد,وتحلق في الغيب حين تعجز عن حل مشكلات الواقع.
ونلاحظ أن هؤلاء المؤرخين اشتخدموا الإسناد,لكنه اقتصر على الروايات المنسوبة الى شيوخ المذهب وأعلامه.ولم يجر ترتيب الحوادث وفقا للنظام الحولي,بقدر تنسيقها على أساس معالم مرتبطة بأحداث عامة في تاريخ المذهب.
ومع ذلك ظهر تأثير الصحوة البورجوازية واضحا في بعض الأعمال التي أنجزها مؤرخون عاشوا في كنف الدول الخارجية المستقلة في الغرب,حيث نلاحظ – اعتمادا على بعض الإشارات – اهتمامهم بمعلومات ذات طابع اقتصادي أوردوها مختلطة بفقه مذهبهم كمسائل الحلال والحرام والوصية والرهن والربا والزكاة والعشور...الخ.
ومن الصعوبة بمكان الحديث عن رؤى ونظرات تاريخية لدى هؤلاء المؤرخين في غياب أعمالهم التي أحرقت إبان الغزو الشيعي لدول الخوارج في المغرب.
وإذا جاز لنا أن نجازف في هذا الصدد,نعتقد أن نظرتهم للتاريخ كانت ضيقة ومنحازة,ضيقة لأن مفهوم التاريخ وموضوعه اقتصر على تاريخ المذهب,ومنحازة لتعصبها الشديد للخوارج وتحاملها المقيت على غير الخوارج.وهو امر طبيعي أفرزته الظروف السوسيو-سياسية التي ألمت بجماعات مضطهدة,وحين قدر لها الاستقرار عاشت في أقاليم صحراوية معزولة ومحاطة بأعداء سياسيين ومذهبيين.
هكذا تأثر الفكر التاريخي الخارجي بمعطيات الواقع الاجتماعي ومنهجه ورؤاه.
وتتجلى المقولة ذاتها في أعمال المؤرخين السنة.والجدير بالذكر أن معظمهم عاش في المغرب الإسلامي حيث ساد مذهب مالك.وبرغم تحول المذهب المالكي عن نصيته,ومجاوراته روح العصر الذي سادته البورجوازية بفكرها الليبرالي,فإن معظم المؤرخين ظلوا متشبثين برؤى ومناهج أهل الأثر نتيجة أوضاعهم الطبقية والإديولوجية.فلم يكتبوا تواريخ عالمية- إلا ما اقتبسوه عن المشارقة نتيج الاتصال- وانصب اهتمامهم على "التواريخ المحلية" كرد فعل طبيعي لنزعة التجزئة الممثلة في قيام الدولة المستقلة في الغرب.كما اهتموا بالإسناد على حساب تكامل "القصة التاريخية".ومن العسير الحديث عن رؤى تاريخية لهؤلاء النفر من المؤرخين باستثناء قلة اشتغلت بالتجارة أو الوراقة وقدر لها الرحلة والاتصال "بأسواق" ومناهل العلم في الشرق.
وسنحاول دراسة أوضاع هؤلاء المؤرخين الطبقية وانتماءاتهم المذهبية كمدخل لدراسة أعمالهم بما انطوت عليه من مناهج ونظرات تاريخية.
ففي مصر,عرف ابن عبد الحكم(ت 257 ه ) كمؤرخ فتوح,وهو من أسرة إقطاعية احتكرت زعامة المالكية.وفي إفريقية اشتهر أبو العرب تميم(ت 233 ه ) المالكي كمؤرخ طبقات,وهو سليل الأسرة الأغلبية الأستقراطية,فكان على حد قوله "يتشح بزي أبناء السلاطين".أما محمد بن يوسف الوراق (ت 292 ه ) فكان – كما يتضح من اسمه وراقا مشتغلا بالعلم,كتب رسائل ومصنفات محلية عن تواريخ بعض المدن المغربية.وفي تاهرت – بالمغرب الأوسط – عاش ابن الصغير المالكي( ت أواخر القرن الثالث الهجري),وكان تاجرا يملك دكانا في "الرهادنة",قضى حياته في كنف الدولة الرستمية وأرخ لها.
وفي الأندلس لمعت أسماء عبد الملك بن حبيب (ت 238 ه) وهو تاجر مالكي المذهب كتب في تاريخ الأندلس وصنف تواريخ عامة على غرار المشارقة,ومحمد بن موسى الرازي (ت 273 ه ) الذي كان تاجرا مشرقيا أقام في الأندلس وكتب عن فتوحها,وابن القوطية (ت 267 ه) ذو الأصل القوطي والذي كان من موالي بني أمية بالأندلس,ألف كتاب "تاريخ افتتاح الأندلس".
فإلى أي حد أثرت أوضاع هؤلاء المؤرخين الطبقية وانتماءاتهم المذهبية في فكرهم التاريخي؟
ليس جزافا أن يهتم ابن عبد الحكم بفتوح مصر والمغرب والأندلس,ولا يحفل بأخبار الفتوحات في الشرق.وإن ذل ذلك على شيء فعلى حماسه لمذهب مالك والبيئة التي انتشر فيها,ولا غزو فقد استمد رواياته من شيوخ المالكية المغاربة الذين كانوا يفدون الى مصر,ولذلك قدر له التزود بمعلومات انفرد بها وخاصة ما تعلق بالأحداث التي عاصرها,فقد أخذها عن شهود عيان.ولكونه من أهل الأثر,عول على الإسناد حيث شغل حيزا هائلا من مؤلفه الذي تتجلى فيه الدقة والتحري,رغم نزعات التعصب المذهبي التي تظهر بصماتها في التحامل على المذاهب الأخرى.
أما أبو العرب تميم فقد كرس مصنفه عن "طبقات علماء إفريقية"لعرض سير أعلام المالكية وذكر مناقبهم.ولم يحظ أعلام المذاهب الأخرى بحيز في طبقاته إلا عرضا,وبقصد الذم والقدح.ولا غزو فقد اشترك في ثورات المالكية على الفاطميين الذين كانوا "كفرة"في نظره,ناهيك بموقفه من الخوارج.وتتلون كتاباته بلون شعوبي,فهو يتعصب للعرب ضد الفرس,ويتغنى بمآثر قبيلة تميم,فكتب عن أنسابها ومناقبها بروح "أستقراطية",ناهيك بإسرافه في ذم " المشرقيين" ومبالغاته في ذكر مناقب أعلام المالكية وفضائلهم.
على العكس من ذلك كانت كتابات محمد بن يوسف الوراق عن تواريخ تيهرت وسجلماسة ونكور وغيرها من المدن المغربية,والتي نجد نصوصا منها عند ابن عذاري والبكري.فلكونه وراقا,قدر له أن يقف على معارف متنوعة ازدادت ثراء بفضل رحلته في طلب العلم شرقا وغربا,حتى توفي بقرطبة .وقد وصفه ابن حيان – أعظم مؤرخي الغرب الإسلامي قبل ابن خلدون – بأنه "الحافظ لأخبار المغرب".كما أثنى عليه الباحثون المحدثون تقديرا لنزاهته ود قته وموضوعيته.وإذا كان لذلك من تفسير فمرده الى انتمائه للبورجوازية.
إلى كل محبي قراءة التأريخ
من الواضح أن من أهم منجزات الصحوة البورجوازية "تصنيف العلوم وتبويبها",واستقلال بعضها عن البعض الاخر,وظهور علوم جديدة لها مباحثها ومناهجها.
وعلى ذلك فليس من المستغرب أن يشهد حقل المعرفة التاريخية الظاهرة نفسها,فيظهر التاريخ كعلم مستقل بذاته عن المعارف الأخرى,ويفيد منها في الوقت عينه,ويصبح "مصطلح التاريخ"_ الذي ظهر إبان بواكير بورجوازية ما قبل الاسلام- شائعا في عصر الصحوة البورجوازية بعد غيبة طويلة إبان العصور السابقة.وتلك ملاحظة بالغة الخطورة على ارتباط العلم بالبورجوازية ,ومن ثم صدق مقولة سوسيولوجية الفكر.
ونتلمس كذلك تأثيرات الصحوة في تقدير علم التاريخ- الذي كان ينظر الى مباحثه وموضوعاته قبل الصحوة نظرة استخفاف – وتبجيل المؤرخين باعتبار "بضاعتهم" "من العوامل المؤثرة في تيارات الحياة...وتؤدي دورا تربويا وسياسيا فعالا".ومعلوم أن ارتباط العلم بالحياة وتكريسه لخدمة أغراض عملية,سمة بارزة من سمات الفكر الليبر الى البورجوازي.وهذا ينفي الرأي القائل بأن "حاجة العرب الى العلم إنبثقت من الدين".
وتقود حقيقة سوسيولوجية نشأة علم التاريخ الإسلامي الى مناقشة آراء الدارسين بصدد تلك النشأة.وتكاد هذه الآراء جميعا تضرب في اتجاه واحد وهو النشأة العربية المحضة,وإن أشارت بعضها الى وجود تأثيرات أجنبية طفيفة.
يقول العلامة أحمد أمين "إن تأريخ حوادث الإسلام في عصوره الأولى كان إسلاميا بحتا ونتيجة تطور طبيعي من الداخل..فلم تحدث تأثيرات من اليونان أو الفرس في حياة المؤرخين الأوائل ".
والمؤرخ في عصر الصحوة البورجوازية – وفي كل عصور الاستنادة – عليه أن يتخذ موقفا "تقويميا" للماضي وكذا الحاضر المعاش,وإلا تخلى عن مهمته الحقيقية.
ويصبح التاريخ في الحالة تلك"مجرد قصص وأخبار,ونهاية معرفته,الأحاديث والأسمار".وهو ما ساد دائما في عصور "الجهالة" الإقطاعية.
ومؤرخو الصحوة البورجوازية عبروا عن الفكر التاريخي كما يجب أن يكون,فكان لهم رؤاهم ومواقفهم,ومع ذلك لم ينزلقوا الى مزالق "اللاموضوعية" في الغالب الأعم.
وحسبما ذكر أحمد أمين نفسه أتاحت "ليبرالية" الصحوة لمؤرخي المعارضة انتقاد بني العباس فيما يستحق الانتقاد,ولم يتقاعسوا عن ذكر بعض مآثر الأمويين.
ومع ذلك لا يمكن إنكار وجود بعض مزالق وهنات شابت بعض أعمال بعض المؤرخين عفواً أو قصداً,وهو أمر مألوف في كل العصور لمن عرك ميدان التاريخ.ومهمة المؤرخ الكشف عن مواطن الزيف,ولن يعدم من الوسائل ما يعين على ذلك,خاصة إذا تعددت الاتجاهات وتباينت الرؤى واختلطت الروايات.ويصبح هذا التعدد والتباين والخلط إثراء لعمل المؤرخ,إذ بقدر ما تراكمت التناقضات بقدر ما أصبح الوصول الى الحقيقة في المتناول,لأن الحقيقة لا تموت رغم محاولات طمسها.
والمنهج القوي أداة المؤرخ النابه في الكشف عن الزيف وإجلاء الحقيقة والعصمة من الزلل,لأنه الوسيلة الناجعة والمعينة "على نقل الحقيقة في ذاتها الى تصور ذهني منطقي في النهاية".
والمنهج إنجاز للعقل البشري في رحلته الطويلة من أجل تيسير إدراك المعرفة,ومن ثم يصبح نتاجا لتفاعل العقل مع التجربة.لذلك لا قيمة ألبتة لمعرفة لم "تعقلن",كما يحلق العقل في فراغ الوهم بدون مادة معرفية يعمل عمله فيها.وهنا تصدق مقولة ابن خلدون في مشروعية تدخل عقل المؤرخ في موضوع عمله,حيث رأى "أن البصيرة تنقد الصحيح إذا تعقل,والعلم يجلوها كصفحات القلوب ويصقل,والناقد البصير قسطاس نفسه في تزييف ما ينقل".وكذا تبجيل سبنيوز للعقل في حقل التاريخ حيث قال:"إن العقل لديه قدرة الكشف عن الزيف على الأقل اذا استعصمت عليه الحقيقة".
نخلص من هذه الوقفة بأن نشأة علم التاريخ كانت نشأة صحيحة,لأن العلم ولد في عصر سيادة البورجوازية بفكرها الليبرالي,وجاءت كتطور طبيعي مواكب لنقلة سوسيولوجية وثقافية,كانت تتويجا لجهود سابقة اضطلع بها الرواة والإخباريون في العصور السابقة.ويعزى الفضل في استقلال العلم وصياغة مناهجه الى جيل من المؤرخين الرواد كالطبري والبلاذري وابن قتيبة واليعقوبي وغيرهم في الشرق,وابن عبد الحكم في مصر,وابن الصغير في المغرب,وعبد الملك بن حبيب وابن القوطية في الأندلس.
ولا غرو فقد أشاد ابن خلدون بهم في معرض تعريضه بالمؤرخين اللاحقين,فاعتبر السابقين "فحول المؤرخين"واللاحقين "عالة عليهم".
ولنحاول إبراز التأثيرات السوسيولوجية في أعمال هؤلاء المؤرخين ودورها في توجيه رؤاهم التاريخية.
وأول ما يلاحظ في هذا الصدد أن نشأة علم التاريخ وظهور المؤرخين لم تكن ظاهرة شرقية قحة,بمعنى أن الغرب الإسلامي أسهم بمؤرخيه الرواد في الحركة التاريخية.صحيح أن مؤرخي الغرب آنذاك لم يصلوا الى مكانة زملائهم المشارقة لكن مجرد ظهورهم في تلك الحقبة وتأثرهم بأعمال مؤرخي الشرق,دليل ناصع على سيولة الثقافة الإسلامية بفضل المد البورجوازي الذي غمر العالم الإسلامي شرقا وغربا.
ويلاحظ أيضا أن السواد الأعظم من المؤرخين الرواد كانوا إفرازاً للمد البورجوازي اجتماعيا وإديولوجيا,ولا غرور فقد انتموا الى الموالي الذين سادوا الحياة الإسلامية إبان الصحوة.كما اعتنقوا إديولوجيات ليبرالية ,حيث كان أغلبهم من الشيعة المعتدلة والمعتزلة – ومعلوم أن التشيع والاعتزال امتزجا في عصر الصحوة الى حد كبير – والقليل النادر انتمى الى اليسار المتطرف "الخوارج",أو اليمين المحافظ "السنة".وإن دل ذلك على شيء فعلى سيادة الفكر الليبرالي كرد فعل لسيادة البورجوازية .و هذا يفسر تحامل مؤرخي السنة على مؤرخي الليبرالية في الوقت نفسه الذي أفادوا فيه من إنجازهم.وتفسير تلك الحقيقة مسايرة الاتجاهات المتطرفة للنمط الاقتصادي – الاجتماعي والفكري السائد,وتطوير معتقداتها بما يتسق وروح العصر,وتلك قاعدة تشهد على سوسيولوجية الفكر.
إذ سنلاحظ قاسما مشتركا واضحا في مناهج المؤرخين بعامة من حيث موسوعية الثقافة,نتيجة الأسفار والرحلات في طلب العلم,وتوسيع النظرة للتاريخ لتحتوي التاريخ العالمي,فضلاً عن شيوع روح النقد في تمحيص الروايات,والموضوعية – في الغالب الأعم – في الأحكام,وتقدم "تكنيك "العرض التاريخي من حيث الترتيب الحولي,والاهتمام بلب الموضوع أكثر من التعويل على الإسناد,الى غير ذلك مما سنتناوله بالتحليل ثم التركيب والتنظير.
ومن المحقق أن استقصاء الأصول الا جتماعية والاتجاهات الإيديولوجية لهؤلاء المؤرخين,قائمين بترسيخ تلك الحقائق,فالسواد الأعظم – كما قلنا – كانوا ينتمون الى البورجوازية بفكرها الليبرالي.وعلى سبيل المثال كان الطبري (ت 310ه) موسراً يتعيش من ضيعة في طبرستان,الأمر الذي أتاح له أن يتفرع للفكر بعامة والتاريخ بخاصة,كما عرف بميوله الشيعية المعتدلة,حيث أنكر تطرف الخوارج والرافضة.ولايعني ذلك أنه عبر عن وجهة نظر السلطة كما ذهب روزنتال,فتاريخه خير شاهد على نزاهته العلمية كما سنوضح بعد قليل.وأبو حنيفة الدينوري( ت 282 ه) كان تاجراً معتزلي المذهب شيعي الهوى,وسينعكس ذلك على ثقافة الموسوعية الواسعة التي ارتبطت بالاعتزال.
وأحمد بن طاهر طيفور (ت 270 ه) كان مؤدب كتاب معتزلي المذهب,ولا غرو فقد حظي برضى الخليفة المأمون .وتنم وظيفته عن تكريس التاريخ في خدمة أغراض عملية وهو مظهر من مظاهر العلم البورجوازي.
والبلاذي (ت 248 ه) كان مؤدباً شأنه شأن ابن طيفور.وإذا ما علمنا أن الخليفة المعتز عينه مربيا لابنه عبد الله,وأن الخليفة كان مغضوبا عليه من الأستقراطية العسكرية التركية,أدركنا شيئا عن ميوله المذهبية الاعتزالية التي أخفاها في عصر انتكاس الاعتزال تقية , لأن مذهب أهل السنة قد أعيد إحياؤه منذ خلافة المتوكل.
أما ابن قتيبة (ت 270 ه ) فقد اشتغل بالقضاء,وعرف بتشيعه.كذلك كان اليعقوبي كاتبا معتزليا.
تلكم هي جمهرة المؤرخين الرواد الأعلام الذين أفرزتهم الصحوة البورجوازية في الشرق بأصولهم الطبقية وانتماءاتهم الإديولوجية.وسيكون لذلك تأثيره على فكرهم التاريخي,حيث صنفوا تواريخ عالمية تجاري التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي أنجزته البورجوازية.
ومن مظاهر تأثيرات الصحوة كذلك,مااشتهر به هؤلاء المؤرخون الرواد من "الرحلة في طلب العلم ".ومعلوم أن النشاط التجاري المتنامي عقد أواصر الاتصال بين كافة بقاع العالم الإسلامي براً وبحراً,كما كانت قوافل الحجيج تجتاز المسالك والممالك وتلتقي جميعا في الديار المقدسة.وفي الحالتين معا أتيح لأهل العلم سهولة الحركة والاتصال واللقياوونجم عن ذلك تبادل المعارف والأفكار الى جانب تبادل السلع وأداء الشعائر.وشجعت سهولة الأتصال على قيام أهل العلم " برحلات علمية " محضة بهدف التعلم أو التعليم.
ولاشك أن المؤرخين بزوا غيرهم في هذا الصدد,لما تميله طبيعة عملهم من ضرورة الرحلة لجمع المعلومات.فالطبري مثلا " رحل الى العراق والشام ومصر", والبلاذي كان له رحلة وراء المعرفة " فزار البلاد التي كتب عن فتوحها ",واليعقوبي كان مؤرخا وجغرافيا ورحالة جاب البلدان وألف عنها.
ولاشك أن الرحلة في طلب العلم أثرت معارف هؤلاء المؤرخين, فألموا بثقافة عصرهم الدينية والدنيوية.إشتغل الطبري الى جانب التاريخ بالفقه والحديث والتفسير,وأبو حنيفة الدينوري "جمع بين حكمة الفلاسفة وبيان العرب وله حظ وافر في علم النجوم وأسرار الفلك"- على حد وصف أبي حيان التوحيدي – بالإضافة الى معرفة بعلوم النبات والرياضيات,فضلا عن التفسير واللغة والأدب .والبلاذري اشتهر بثقافة موسوعية شأنه شأن أعلام المعتزلة.وابن قتيبة أنموذج فذ في ثقافته الواسعة,يشهد على ذلك كتابه "المعارف",فضلا عن إحاطة دقيقة بالسياسية وخباياها,كما ينطق بذلك كتابه الإمامة والسياسة".واليعقوبي برع في الفلك وكرسه لخدمة التاريخ,وكتابه "البلدان" دليل على معارفه الواسعة في مجال الجغرافيا الطبوغرافية والبشرية.
وبديهي ان تنعكس هذه الثقافة الموسوعية على جهودهم في حقل التاريخ موضوعا ومنهجا وفكرا,فقد موضوع العلم ووسعت مباحثه ليغطي تاريخ العالم.كتب الطبري تاريخا للبشرية منذ الخليقة حتى عام 298 ه, وتاريخ الدينوري " الأخبار الطوال" تاريخ عالمي حتى خلافة المعتصم,وابن طيفور عرض لتاريخ الخلافة العباسية حتى عصر المأمون بالإضافة الى تقديم تراجم للشعراء ومختارات من دواوينهم,ومصنفه عن "تاريخ بغداد" بالرغم كونه تاريخا محليا,إلا أنه يمتاز عن التواريخ المماثلة- كتاريخ الموصل للأزدي- بتعدد موضوعاته ومباحثه,وخاصة في الشؤون الاقتصادية و الاجتماعية.
وقد نالت هذه المباحث حيزا هائلا فيما صنفه البلازدي من مؤلفات,فكتابه "أنساب الأشراف" أعظم من أن يكون مؤلفا في الطبقات,وتبرز قيمته الحقيقية في تقديم معلومات اقتصادية على درجة من الأهمية أفاد هو منها في تكوين رؤيته التاريخية,يتجلى ذلك في حملته العنيفة على الأرستقراطيتين القديمة والمستحدثة في عصره,والكتاب يؤكد خبرته الفذة في أمور الاقتصاد,ولا غرو فقد تتلمذ على أبي عبيد بن سلام مؤلف كتاب "الأموال".وفي "فتوح البلدان"برهن البلاذري على تفرد في ميادين النظم والأوضاع الاجتماعية والشؤون الإدارية بزفيها معاصريه.
وابن قتيبة أرخ للتطور السياسي في العالم الإسلامي,كاشفا النقاب عن استتار الساسة بالدين,مبرزا دور الأهواء والأطماع والمصالح فيما شجر من صراعات سياسية.وفي كتابه "المعارف" توسيع لدائرة التاريخ لتشمل فضلا عن السير والأنساب والمغازي والفرق,مظاهر العمران البشري ,وخاصة في جانبه الثقافي.
وتاريخ اليعقوبي يدخل في إطار "التواريخ العالمية"ولكن بصورة موجزة,حيث حفل بعرض المعالم الأساسية,وضرب صفحا عن التفصيلات.و كتابه "البلدان" نوع من الأدب الجغرافي التاريخي المتطور,أبرز فيه تأثير الجغرافيا في التاريخ.ولا مبالغة إذا اعتبرناه أول مؤلف إسلامي في مجال "الجيوبولتيكا".وفي الكتابين معا ينم عن احتفاله بالتاريخ الثقافي.
وفيما يتعلق بالمنهج,نلاحظ اهتمام بعض المؤرخين الرواد بالإسناد كما فعل الطبري,أو إغفاله كما هو شأن اليعقوبي.وفي الحالتين معا يظهر التدقيق في تحري الأخبار,فالطبري ذكر الروايات المتاحة كافة وأسندها الى رواتها.واليعقوبي اهتم بجمع الوثائق وذكرها في مواضعها.فضلا عن حرصه على مساءلة شهود العيان,يقول في هذا الصدد"....وقد اتصلت أسفاري ودام تغربي , فكنت متى لقيت رجلا من تلك البلدان سألته عن وطنه ومصره وبلده وساكنيه ودياناتهم ومقالاتهم....ثم أثبت كل مايخبرني به من أثق بصدقه,وأستظهر بمسألة قوم بعد قوم حتى سألت خلقا كثيرا من الناس".والبلاذري أعمل النقد في الروايات حتى أثر عنه مذهب الشك الى حد الوسوسة,وتلك خلة حميدة لمن يشتغل بالتاريخ.أما ابن قتيبة فعزف تماما عن الإسناد,واهتم بتسلسل القصة التاريخية في المحل الأول.
وبخصوص نمط الكتابة,فقد ساد الأخذ بالنظام الحولي وخاصة في المصنفات الكبرى,كما هو حال الطبري.بينما فرضت طبيعة الموضوعات تقنية تناولها,بحيث عول البلاذري مثلا على تعقيب الحدث وتتبعه عبر السنين,فطفر بفنية الكتابة طفرة كبرى من حيث معالجة الأحداث كوحدة لاتتجزأ.
وفي الحالين معا استخدم المنطق في الرصد التاريخي,إذ راعى المؤرخون تسلسل الرواية وتنسيقها,في لغة سلسة ومباشرة لا تحفل بالتنميق والبديع بقدر اداء المعاني في وضوح ومع ذلك انطوت لغة هؤلاء المؤرخين – وخاصة ابن قتيبة – على بيان راق وأسلوب أدبي فني رفيع.
أما عن التفسير والتأويل,فقد أنكر بعض الدارسين على المؤرخين الرواد حقيقة إمكانية وجود رؤى تاريخية لديهم,إستنادا الى قول أحدهم- وهو اليعقوبي- "وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أخطرت ذكره فيه مما شرطت أني راسمه فيه إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه,والآثار التي أنا مسندها الى رواياتها,دون ماأدرك بحجج العقول واستنبط بفكر النفوس إلا اليسير القليل".
وبديهي أن هذا النص لا ينطق دليلا على افتقار اليعقوبي – وزمرته – الى الرؤية الخاصة للتاريخ,فمن النص ذاته يفهم تعويله على التفسير والاستنباط والتأويل.ومن الخطأ أن نتصور وجود رؤى شاملة لدى هؤلاء المؤرخين الباكرين,إذ أن مهمتهم الأولى كانت تدوين الأحداث وتسجيل الوقائع وليس "فلسفة التاريخ".فلم يقدر لمثل تلك الفلسفات أن تظهر في التاريخ العالمي برمته قبل ابن خلدون,بل إن ابن خلدون نفسه لم يلتزم تماما بماأنجزه في مقدمته من فلسفة حين أرخ كتابه "العبر".
ومع ذلك فدراسة أعمال المؤرخين الرواد تكشف عن وجود رؤى وتصورات وآراء وقواعد عامة استنبطوها من خلال معاركة الاشتغال بالتاريخ,بحيث يمكن القول بأن كل مؤرخ كان لديه مفهوم عن "فكرة التاريخ"انعكس تأثيره على ما كتب وصنف من أعمال.وأن حصاد هذه المفاهيم جميعا يشكل رؤية عامة للتاريخ تساير طبيعة النهضة الثقافية التي أفرزتها الصحوة البورجوازية.
فالبلاذري مثلا أبرز تأثيرالعوامل الاقتصادية والاجتماعية في التطور التاريخي,دون أن يعي وقوفه على قاعدة نظرية علمية صحيحة.والمهم أن تلك القاعدة عملت عملها في توجيه اهتمامه نحو الموضوعات الاقتصادية والإدارية والأوضاع الطبقية.
ونعلم أيضاً أن مؤرخا كاليعقوبي ربط بين حركة الأفلاك وبين الوقائع والأحداث,كما ركز على التاريخ الثقافي أكثر من الاهتمام بالسير والأخبار.وابن قتيبة نسج وقائع التاريخ الإسلامي من خلال تصور صراع سياسي حول موضوع الإمامة.والدينوري أبرز – دون وعي فيما نعتقد – إنعكاس الواقع على الأدب حين دبج تاريخه بنماذج شعرية متسقة مع طبيعة ما يروي من أحداث.وكل أولئك استخدموا العقل وأفادوا من المنطق وكافة علوم العصر في كتاباتهم.
(أكثر من ذلك,تتضح في هذه الكتابات المواقف الشخصية لأصحابها سواء من الأوضاع السائدة التي عاصروها,أو في تقييم أحداث الماضي ووقائعه.كل ذلك وغيره قمين بأن نحكم – في اطمئنان – بأن مؤرخي الصحوة البورجوازية طوروا الفكر التأريخي,وأحدثوا نقله في موضوعاته ومناهجه ورؤاه,تلك الرؤى التي تتسم بالعقلانية "والدنيوية" والشمول,وهي سمات مميزة للفكر الليبرالي الذي أفرزته الصحوة البورجوازية.)
ولعل في قول اليعقوبي "فمهما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضيين ممن يستنكره قارئه من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة,ولامعنى في الحقيقة ,فيعلم أنه لم يؤت في ذلك من قلنا" مايؤكد وجود عوائق كانت تحول بين اليعقوبي – وأصحابه – دون الإفصاح عن كل ما أحاطوا به من فهم ونظر في فكرتهم عن التاريخ.ولا غرو فقد رجم الحنابلة دار الطبري بالحجارة,وسفه أهل الأثر أعمال ابن قتيبة..وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على ما سبق أن رددناه من أن المد البورجوازي لم يصل الى نهاية مطافه لينجز ثورة شاملة,فقد ظلت بقايا الإقطاعية بفكرها النصي الغيبي تمارس فعالية – ولو ثانوية – على الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية.
بل لم يسلم حتى مؤرخو الليبرالية من آفات هذا الوضع,بحيث انطوت أعمالهم على قدر غير ضئيل من الغيبة والأسطورية.ومع ذلك فحسبهم ما أنجزوا من أعمال ظلت مصادر لمن جاء بعدهم من المؤرخين.
بقي أن نعرض لمكانة الفكر التاريخي عند مؤرخي الخوارج والسنة,بحيث يعتبر ما قدموه في هذا الصدد من إسهامات شيئا هامشيا,نظرا لهامشية دور القوى الاجتماعية التي انتموا اليها على الصعيدين السياسي والاقتصادي,وبالتالي على المستوى الثقافي,مما يؤكد سوسيولوجية الفكر.
ومعلوم أن الخوارج – رغم اعتدال أفكارهم تحت تأثير الصحوة البورجوازية,وإقامتهم دولاً مستقلة في الغرب الإسلامي ذات طابع بورجوازي متطور- ظلوا محافظين على تقاليدهم المذهبية التي انعكست على فكرهم التاريخي.
حقيقة أن عوامل سياسية حالت دون وصول مؤلفات الخوارج الأول في حقل التاريخ,بحيث يصعب الحكم عليها.ولكن النصوص المتواترة في كتب اللاحقين تلقي بعض الضوء في تفسير افتقار المؤرخين الرواد على تناول تاريخهم وحسب.فتشير رسالة للبرادي الى مصنفات هؤلاء المؤرخين في الشرق والغرب,ويعدد ابن النديم أسماء هؤلاء المؤرخين كاليمان بن الرباب ويحيي بن كامل والصيرفي وعبد الله بن زيد وإبراهيم بن إسحق والهيثم وغيرهم من المشارقة,ويصف مصنفاتهم بأنها "مستورة".كذلك نعلم من سير الشماخي أن مؤرخا إباضيا شهيرا,يدعى ابن سلام صنف كتابا في السير اعتمد عليه اللاحقون.ويخبرنا مؤرخ خارجي متأخر أن ديوان الإباضية بجبل نفوسة كان يحوي أكداسا هائلة من الكتب بعضها يتعلق بتاريخ المذهب وأعلامه,كما كانت المكتبة المعصومة بتاهرت تحوي بدورها مصنفات في السير والتاريخ.
وبالرجوع الى نصوص هؤلاء الرواد في كتب المتأخرين,لاحظنا أن موضوع التاريخ اقتصر – كما قلنا – على سير شيوخ المذهب وأعلامه,فضلا عن نشاط الخوارج السياسي في الشرق والغرب.تفسير ذلك أن الخوارج كانوا يكفرون من ليس على مذاهبهم,ولم يعترفوا بالحكومات الإسلامية برمتها,لذلك تغاضوا عن كتابة تواريخ عامة أو عالمية.
والملاحظة الثانية,أن هذه المدونات الأولى كانت متخلفة في مناهجها وجه عام,فهي تفيض بالخوارق والأساطير,وتفيض في ذكر المناقب والكرامات.وتلك نتيجة طبيعية لجماعات عاشت مضطهدة منذ ظهور المذهب من قبل الحكومات الإسلامية كافة,فالأفكار تتحجر حين تتقوقع ,وتتطرف حين تضطهد,وتحلق في الغيب حين تعجز عن حل مشكلات الواقع.
ونلاحظ أن هؤلاء المؤرخين اشتخدموا الإسناد,لكنه اقتصر على الروايات المنسوبة الى شيوخ المذهب وأعلامه.ولم يجر ترتيب الحوادث وفقا للنظام الحولي,بقدر تنسيقها على أساس معالم مرتبطة بأحداث عامة في تاريخ المذهب.
ومع ذلك ظهر تأثير الصحوة البورجوازية واضحا في بعض الأعمال التي أنجزها مؤرخون عاشوا في كنف الدول الخارجية المستقلة في الغرب,حيث نلاحظ – اعتمادا على بعض الإشارات – اهتمامهم بمعلومات ذات طابع اقتصادي أوردوها مختلطة بفقه مذهبهم كمسائل الحلال والحرام والوصية والرهن والربا والزكاة والعشور...الخ.
ومن الصعوبة بمكان الحديث عن رؤى ونظرات تاريخية لدى هؤلاء المؤرخين في غياب أعمالهم التي أحرقت إبان الغزو الشيعي لدول الخوارج في المغرب.
وإذا جاز لنا أن نجازف في هذا الصدد,نعتقد أن نظرتهم للتاريخ كانت ضيقة ومنحازة,ضيقة لأن مفهوم التاريخ وموضوعه اقتصر على تاريخ المذهب,ومنحازة لتعصبها الشديد للخوارج وتحاملها المقيت على غير الخوارج.وهو امر طبيعي أفرزته الظروف السوسيو-سياسية التي ألمت بجماعات مضطهدة,وحين قدر لها الاستقرار عاشت في أقاليم صحراوية معزولة ومحاطة بأعداء سياسيين ومذهبيين.
هكذا تأثر الفكر التاريخي الخارجي بمعطيات الواقع الاجتماعي ومنهجه ورؤاه.
وتتجلى المقولة ذاتها في أعمال المؤرخين السنة.والجدير بالذكر أن معظمهم عاش في المغرب الإسلامي حيث ساد مذهب مالك.وبرغم تحول المذهب المالكي عن نصيته,ومجاوراته روح العصر الذي سادته البورجوازية بفكرها الليبرالي,فإن معظم المؤرخين ظلوا متشبثين برؤى ومناهج أهل الأثر نتيجة أوضاعهم الطبقية والإديولوجية.فلم يكتبوا تواريخ عالمية- إلا ما اقتبسوه عن المشارقة نتيج الاتصال- وانصب اهتمامهم على "التواريخ المحلية" كرد فعل طبيعي لنزعة التجزئة الممثلة في قيام الدولة المستقلة في الغرب.كما اهتموا بالإسناد على حساب تكامل "القصة التاريخية".ومن العسير الحديث عن رؤى تاريخية لهؤلاء النفر من المؤرخين باستثناء قلة اشتغلت بالتجارة أو الوراقة وقدر لها الرحلة والاتصال "بأسواق" ومناهل العلم في الشرق.
وسنحاول دراسة أوضاع هؤلاء المؤرخين الطبقية وانتماءاتهم المذهبية كمدخل لدراسة أعمالهم بما انطوت عليه من مناهج ونظرات تاريخية.
ففي مصر,عرف ابن عبد الحكم(ت 257 ه ) كمؤرخ فتوح,وهو من أسرة إقطاعية احتكرت زعامة المالكية.وفي إفريقية اشتهر أبو العرب تميم(ت 233 ه ) المالكي كمؤرخ طبقات,وهو سليل الأسرة الأغلبية الأستقراطية,فكان على حد قوله "يتشح بزي أبناء السلاطين".أما محمد بن يوسف الوراق (ت 292 ه ) فكان – كما يتضح من اسمه وراقا مشتغلا بالعلم,كتب رسائل ومصنفات محلية عن تواريخ بعض المدن المغربية.وفي تاهرت – بالمغرب الأوسط – عاش ابن الصغير المالكي( ت أواخر القرن الثالث الهجري),وكان تاجرا يملك دكانا في "الرهادنة",قضى حياته في كنف الدولة الرستمية وأرخ لها.
وفي الأندلس لمعت أسماء عبد الملك بن حبيب (ت 238 ه) وهو تاجر مالكي المذهب كتب في تاريخ الأندلس وصنف تواريخ عامة على غرار المشارقة,ومحمد بن موسى الرازي (ت 273 ه ) الذي كان تاجرا مشرقيا أقام في الأندلس وكتب عن فتوحها,وابن القوطية (ت 267 ه) ذو الأصل القوطي والذي كان من موالي بني أمية بالأندلس,ألف كتاب "تاريخ افتتاح الأندلس".
فإلى أي حد أثرت أوضاع هؤلاء المؤرخين الطبقية وانتماءاتهم المذهبية في فكرهم التاريخي؟
ليس جزافا أن يهتم ابن عبد الحكم بفتوح مصر والمغرب والأندلس,ولا يحفل بأخبار الفتوحات في الشرق.وإن ذل ذلك على شيء فعلى حماسه لمذهب مالك والبيئة التي انتشر فيها,ولا غزو فقد استمد رواياته من شيوخ المالكية المغاربة الذين كانوا يفدون الى مصر,ولذلك قدر له التزود بمعلومات انفرد بها وخاصة ما تعلق بالأحداث التي عاصرها,فقد أخذها عن شهود عيان.ولكونه من أهل الأثر,عول على الإسناد حيث شغل حيزا هائلا من مؤلفه الذي تتجلى فيه الدقة والتحري,رغم نزعات التعصب المذهبي التي تظهر بصماتها في التحامل على المذاهب الأخرى.
أما أبو العرب تميم فقد كرس مصنفه عن "طبقات علماء إفريقية"لعرض سير أعلام المالكية وذكر مناقبهم.ولم يحظ أعلام المذاهب الأخرى بحيز في طبقاته إلا عرضا,وبقصد الذم والقدح.ولا غزو فقد اشترك في ثورات المالكية على الفاطميين الذين كانوا "كفرة"في نظره,ناهيك بموقفه من الخوارج.وتتلون كتاباته بلون شعوبي,فهو يتعصب للعرب ضد الفرس,ويتغنى بمآثر قبيلة تميم,فكتب عن أنسابها ومناقبها بروح "أستقراطية",ناهيك بإسرافه في ذم " المشرقيين" ومبالغاته في ذكر مناقب أعلام المالكية وفضائلهم.
على العكس من ذلك كانت كتابات محمد بن يوسف الوراق عن تواريخ تيهرت وسجلماسة ونكور وغيرها من المدن المغربية,والتي نجد نصوصا منها عند ابن عذاري والبكري.فلكونه وراقا,قدر له أن يقف على معارف متنوعة ازدادت ثراء بفضل رحلته في طلب العلم شرقا وغربا,حتى توفي بقرطبة .وقد وصفه ابن حيان – أعظم مؤرخي الغرب الإسلامي قبل ابن خلدون – بأنه "الحافظ لأخبار المغرب".كما أثنى عليه الباحثون المحدثون تقديرا لنزاهته ود قته وموضوعيته.وإذا كان لذلك من تفسير فمرده الى انتمائه للبورجوازية.