الطريق الى الله
09-04-2011, 22:16
موضوع: وعدة سيدي الشيخ " أصل الحكاية "
إن المرحوم، سيدي عبد القادر بن محمد بن سليمان بن أبي سماحة ( 940هـ/1025هـ ) الذي يطلق عليه لقب ( سيدي الشيخ ) هـو في حقيقته ، عالم من علماء الصوفية وشخصيـة مجـاهـدة ، كان خلال حياته مرجعاً للراغبين في الاستـزادة مـن ذات العلوم الدينية ، لذا كان يؤمـه الناس من كل ناحية ، يطلبون حاجتهم من ذات العلوم مُخصصين لذلك وقتاً معلوماً، سُمِّي في الأصل ( الـوَعد ) ، يأتونه مُحمّلين بالهدايا وأصناف الأطعمة والأنعام ( أغنام ، ماعز ...) ليزوِّد أبناءهم بالمعرفة النافعة .
هذه العادة ، تحولت إلى عرف فيما بعد ، إلى أن صار الجمع من الناس يلتقون هنا بمكان دفنه بالأبـيض سيدي الشيخ ، المسمى باسمه ، لكن بعد انتقاله إلى رحمة الله تعالى ، استحالت المناسبة إلى ما يضاهي ( الحج !!) إلى هذا الولي الصالح ، حيث يأتي الناس رجال ونساء للتبرك به ، ولازالت المناسبة السعيدة (الزواج مثلاً )، مرتبطة به ، إذ أن الـهودج أو السيارات المُقِلّة للعروس ، لا تتجه رأساً إلى بيت الزوجية ، إلا بعد القيام بعدة لَفّاتٍ حول الضريح .
لـقد اكتسب هذا الولي ( تبجيلاً خاصاً ) و قصيدته الشعرية " الياقوت " ، لازالت في متناول الأفواه و القراطيس ، متواترة لدى العديد من مريديه ، أما المناسبة السنوية ، فتحول اسمها من (الوعدة ) إلى تـسمية ركب سيدي الشيخ" من الفعل ركب " ، بعدما طُلِب من أهل " أستيتن "ـ قديما ـ الركوب على ظهور أنعامهم " الخيل والبِغال والحمير" ، التي كانت أحسن وسيلة زَمَنَذَاك لمواصلة السير في اتجاه الأبيض س/ الشيخ ، وقد تعوّدها الناس حسب بعض الآراء ، بمجرد وفاة هذا الشيخ الصوفي ، علماً بأنها كانت في البدء فرصةً للتعارف بين القبائل ، وفض النزاعات والسعي إلى الصلح بين الناس ، لكن مع مرور السنين وتطور العقليات أصبحت مناسبة تجارية عموماً ، بل داخلها في بعض السنوات حتى لعب المنافسات الكروية ، والسهرات الفنية والاستمتاع بقصائد الشعر الملحون ، في حين ، لوحظت مظاهر حسنة كاستغلالها في معارض الكتب و قراءة القرآن الكريم من طرف تلامذة زاوية صاحب السخاء المعرفي وفقيه منطقة أدرار ، العلامة الفقيد/ سيدي الحاج محمد بن سيدي محمد عبد الله بن لكبير ، " المولود بتاريخ:1911 للميلاد ببلدة الاغمارة " قرية من قرى بُودَه الواقعة بالجنوب الغربي من أدرار، على بعد 25 كلم " حفظ القرآن و وَعَاهُ ، ومتون الفقه والنحو والتوحيد في سن مبكرة على يد عمّه الإمام / الطالب محمد التّمَـنْـطيـطي ترعرع في أحضان أسرته الشريفة القَدر، المنحدرة من سلالة الخلفاء الراشدين ( سيدنا عثمان بن عفان ـ ض ـ ) و تَجَشّمَ مصاعب الغربة عن الأهل في سبيل طلب العلم ، فعند بلوغه ، سافر به والده إلى " تَمَنْطِيطْ " بإقليم" توات " قِبلة العِلم وقتذاك ، تزوّد فيها بما شاء له المليكُ المقتدرُ من العلوم الشرعية والعربية ، من توحيدٍ ، فقهٍ ، حديثٍ تصوّفٍ ، تفسيرٍ ، فآدابٍ ونحوٍ ولغةٍ وصرفٍ ، على يد العلامة / سيدي أحمد بن ديدي ، عالمِ وقته وفقيه زمانه ، لازمه ثلاث (03) سنوات ، رغم قصرها الملحوظ مكّنته من الانتهاء من دراسة الفقه المالكي بالأمهات والتوحيد بالأدلة والبراهين ، والنحو والصرف واللغة ، مع سرد وشرح صحيح البخاري ،، تَخَرج على يديْه آلاف الطّلبة، هم اليوم أسرجةٌ تُنير المساجد والحلقات ، وطنيا و قارّيا " توفّاه المولى عز و جل ، يوم الجمعة:16 جمادى الثانية 1421 هـ ، المصادف ليوم :15 سبتمبر 2000 للميلاد، بعد أن أقعده الداء لِـسنين ، وبلغ من العُمُر عِـتِـيّا ، أفناه كافّتَـه صابرا محتسبا ، مُجاهدا ، مثابرا في خدمة العقيدة والوطن والأنام .
يجد تلامذتُه الموفدون من أدرار لهذه الغاية كل الترحيب و عوامل الراحة ، المعدَّة من قبل القائمين على ( الزوايا ) في مقدمتهم زاوية سيدي الشيخ ، التي يرأسها أحفاد الولي المقصود ، ثمّ زاوية سيدي الحاج بحوص، فعائلات ( لَقْرَابَه ) و ( البَوَّابَة ) ،و هم جميعُهم يُسمّون لدى العامة : "خُدّام الزاوية " ، الذين تظل منازلهم مفتوحة طيلة أيام ( الوعدة ) وعلى مدار السنة أيضا .
أرباب هذه العائلات ، يقومون بجمع الماشية وما إليها ( لَـقْـفَرْ ) أي النّذر ، من محبي سيدي الشيخ محلياً وفي الصحاري ، ومن لدن أتباع الولي عبر جِهات من الوطن ، وبذلك هم مُطالبون ـ عُرفيّا ـ بذبحها ( أيام الركب ) ، لذلك نراهم يجلبونها عند اقتراب المناسبة و معها أمتعة أخرى ومواد غذائية كـالسّمْن الحيواني ( أدْهَـانْ ) ، بالإضافة إلى التمر ومادة ( لَـكْلـيـلَـه ) أيضاً ، لإطعام ضيوف سيدي الشيخ ، دون استثناء أو محاباة ، كما جرت عليه العادة .
الرأي الثاني :حكاية الرجل المريض
هي مناسبة قديمة ، أي منذ كان ( سيدي الشيخ ) على قيد الحياة ، حيث كان الناس يأتونه مثقلين بالهبات ( تمر دهان ، ماشية .. ) ما يسمى ( لقفر ) ، لأنه كان عالماً يقصده الناس للتبرك به و بعلمه الصوفي (وقيل كان العازمون منهم على الذهاب لأداء فريضة الحج على الإبل يتركون لديه أبناءهم وديعة ، ليعلمهم حتى يعودوا لأخذهم و بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، ازداد تمسك الناس بالمكان الذي أمر صهرَه بدفنه في ثراه (الضريح الموجود الآن بالأبيض سيدي الشيخ ، المسمى باسمه ) .
لقد ألِف الناس المجيء إليه للزيارة والتبرك ويُقال أن الذي ابتدع هذه الوعدة رجلٌ من بَلْدَة ( أسْـتيتَن ) المجاورة لمدينة البيـض ( بعيدة عنها بحوالي : 30 كلم ) حيث كان مريضاً بمرض استعصى عليه علاجه ، فلجأ إلى سيدي الشيخ في حياته قائلا له : إنني أتعهد أمـامـك لو دَعَـوْتَ لي بارئي و مُصوّري كي يشفيني، وشفيتُ لأجعلنّ ( معروفاً ) سنوياً لك ، و بالفعل شُفي الرجل بإذن الله و أضحى ركب سيدي الشيخ ، لا طعم له إلا إذا جاءه مواطنو (أستيتن ) - ركب أستيتن - المُحمّل بالأمتعة على ظهور الأنعام فيضرب الخيم حول محيط الضريح (الجهة الغربية منه )، و يظل على امتداد خمسة ( 05 ) أيام مستمراً في الأدعية للولي ، حتى أن الرجل من (أستيتن ) لشدة تمسكه بالوعد المذكور، أصبح حين يرغب شخص في مصاهرته ، يشترط عليه أن يسمح لابـنـتـه بالذهاب إلى سيدي الشيخ للزيارة والتوسل ، ومن ميزات هذه المناسبة ما يلـي :
أولا: تقديم أُكْـلَةِ الكُسكُسي واللحوم الحمراء والمشروبات التقليدية للضيوف .
ثانيا: قراءة القرآن الكريم من طرف تلامذة زاوية الراحل الشيخ بلكبير ( أدرار ) ، رحمه الله .
ثالثا : أداء قصيد ( اليـاقـوت ) لصاحبها سيدي الشيخ داخل الضريح ( 178 بيتا من القريض الصوفي ) .
رابعا : الاستمتاع بلعبة الفروسية ( العَلْفَـه ) في بطحـاء ديار ( لاله ربيعة "زوجة البطل/ الشيخ بوعمامة ـ رحمه الله ـ ") والأهازيج الشعبـية والأغاني الفلكلورية ، باستخدام الآلة الموسيقية المسماة المزمار ( أي : القَايْطَه كما يحلو للبعض تسميتها ) والطبول والألعاب السحرية.
خامسا : التحلق حول (القوالين) ، المُركّزين غالبا على إنشاد قصائد الشعر الملحون ، بالاستعانة بمتمرسين على الآلة الموسيقية ، التقليدية المسماة: " القصبة " ، الشّـبّابَةُ البديلةُ عن النّاي المعاصر. .
خامساً : تنظيم معارض للتعريف بتراث المنطقة ( ثورة أولاد سيدي الشيخ و أول نوفمبر، فضلاً عن تدخل الدولة كظاهرة جديدة في تنظيم بعض المظاهر الاحتفالية كالافتتاح الرسمي من طرف السلطات( فرضتها أهمية الحدث و كثافة التجمع )، وتنظيم محاضرات أو ندوات ومباريات رياضية زيادة عن كونها فرصة سانحة للتجار القادمين من كل فج .
وإذا كان لابد من ملاحظة في هذا الصدد ، نؤكد أن هذه الوعـدة توقفت خلال حقبة الاحتلال ، لأن الفرنسيين كانوا لا تـفلت من أياديهم فرصة تُمكّن المواطنين من التجمع ، حتى فـي مثـل هذه الأمور غير السياسية ، لكن تم استـئـنـافها بعد الاستقلال ولازالت إلى حد الساعة تنظم سنويا ، علما بأن ظروف فترة التسعينيات ، لم تسمح بتنظيمها كالمألوف ، فاكتفى المواطنون القاطنون بعيداُ عن الأبيض سيدي الشيـخ بالإقبـال فُرادى و زرافات في الموعد نفسِه ، للزيارة فقط ، لكون السلطات المؤهلة أصبحت هي المحددة لموعدها ( اعتاد الأهالي ميقاتها في الفترة مابين شهر ماي و جويلية من كل سنة ) حسب الحال ، و تدوم خمسة أيام كاملة ( من الخميس إلى الاثنين ليلاً ، كانت تنتهي بتجمع ليلة الاثنين يُسمى عرفياً : " العَادَه " ، يُنظَّم بزاوية سيدي الحاج بحوص ، أحدِ أبناء سيدي الشيخ ، وقد كان لا يُسمح للزوّار بالرجوع إلى أهليهم ( قبل انتهاء التجمع ) ، إلاّ بترخيص من أحد مقدمي الزاوية ، و كان الناس أيامها يخشون الذهاب من تلقاء أنفسهم مَخَافَةَ أن يصيبهم مكروه أثناء العودة ، وقد لوحظ بعين المشاهدة ( بعد انتهاء هذه الوعدة ) مجيء زوبعة رملية معتادة !! .
الرأي الثالث : منطلقها ، صوفي بحت
يوم وفاة سيدي عبد القادر بن محمد ـ سيدي الشيخ ـ متأثرا بجراحه، عقب مَوْقِـعَةٍ مع الأسبان بنواحي و هران ( الجمعة الثاني من شهر ربيـع الأول سنة 1025 هـ ) توفي في موقع شرق بلدية أستيتن ، بأرض قبيلة أنكاكعة وقيـل بين بلديتي الكراكدة و أربوات حسب تحديد ( العياشي ) عن عمر يـناهز خمساً و ثمانين (85) سنة ) جاء لتشيـيع جنازته : ثلاثـمئة و خمسون (350) تلميذاً من تلامذتـه .
قام بتغسيله ( رحمه الله ) ، أخوه من الشيخ : سيدي أحمد بن موسى ، وبعد عملية الدفن ( في اليوم الرابع من شهر ربيع الأول من نفس السنة ) قرأ التلاميذ الستين (60) حزباً التي نزل بها الروح الأمين على سـيد الـخلق (ص ) ، في ليلة واحـدة ، ومنذ ذاك الزمن اعتاد ركب " أستيتن " لإحياء ذكراه ، أن يبيـت ليلة الخميس حول مَقَام سيدي سليمان ابن أبي سماحة ( جدّ هذا الولي ) المبني على حافة الطريق المؤدي إلى بلدية أربوات ( المقام : بعيدٌ عن الأبيض س/ الشيخ بحوالي:12 كلم ) ، ثم يواصل سيره يوم الخميس ( مشياً على الأقدام ، حُـفَاةً ) في اتجاه الأبيض سيدي الشيخ، ظل الحال كذلك إلى أن حل الغزو الفرنسي فتحولت إلى فرصة للزهو و الترويح عن الأمارة بالسوء ، فحدث أن انحرفت عن طريقتها المعلومة لدى الآباء و الأجداد والتي كانت متمثلة في:
* قراءة القرآن العظيم ( ختمه في ليلة واحدة).
* ترديد قصيد( الياقوت) لصاحبها:سيدي عبد القادر بن محمد ( سيدي الشيخ ) .
* تنظيم ما يسمى بـ ( الحضرة ) قي الصباح وعند المغرب .
* العمل على مساعدة الفقراء و المعوزيـن.
* تعويد الناس على المصالحة والتراحم ، بزرع المحبة والتآخي فيما بينهم. .
وجدير بالتذكير، أنه منذ سنوات السبعينيات تقرر إعادة الاعتبار إلى الوعدة ( ركب سيدي الشيخ ) والمحاولات لا زالت قائمة للمحافظة على أصالتها ، غداة وفاة الأب الروحي للمنطقة ( سيدي الشيخ ) ، الذي هو (من نسل الصحابي الجليل ، الابن الأكبر لشيخ الصحابة : عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق التَّيْمِيِّ ،القُرَشِيِّ ، خليفةِ رسول الله (ص).
ملاحظة : ظاهرة ( المزمار ) ومظاهر الترفيه جميعُها الملحوظةُ يومئذٍ ، تعتبر دخيلةً ليس على ( وعدة ) سيدي الـشيخ فحسب ، بل ينطبق الأمر على ( وعدات ) المنطقة عامةً ، باعتبار المنطلق الأصلي منطلقا صوفيا ، بعيدا عن المغالاة غير الـمُحبذة في الطرائق الصوفية .
ملحوظة : قيل سُمّي " الأبيض" بهذا الاسم ، نسبة إلى بئر ذاتِ تربة بيضاء كانت متواجدة قبل مُواراة الولي بالمكان ، ثم تمّ الوَصْل بين تسمية البئر والكُنية الأخرى للولي أعني: سيدي الشيخ ، فاستقامت العبارة كالتالي: الأبيض سيدي الشيخ ، ولا علاقة للآباء البـيض الذين استوطنوا الجهة في تاريخ متأخر ـ أوائل الثلاثينيات ـ بهذه الدلالة.
إن المرحوم، سيدي عبد القادر بن محمد بن سليمان بن أبي سماحة ( 940هـ/1025هـ ) الذي يطلق عليه لقب ( سيدي الشيخ ) هـو في حقيقته ، عالم من علماء الصوفية وشخصيـة مجـاهـدة ، كان خلال حياته مرجعاً للراغبين في الاستـزادة مـن ذات العلوم الدينية ، لذا كان يؤمـه الناس من كل ناحية ، يطلبون حاجتهم من ذات العلوم مُخصصين لذلك وقتاً معلوماً، سُمِّي في الأصل ( الـوَعد ) ، يأتونه مُحمّلين بالهدايا وأصناف الأطعمة والأنعام ( أغنام ، ماعز ...) ليزوِّد أبناءهم بالمعرفة النافعة .
هذه العادة ، تحولت إلى عرف فيما بعد ، إلى أن صار الجمع من الناس يلتقون هنا بمكان دفنه بالأبـيض سيدي الشيخ ، المسمى باسمه ، لكن بعد انتقاله إلى رحمة الله تعالى ، استحالت المناسبة إلى ما يضاهي ( الحج !!) إلى هذا الولي الصالح ، حيث يأتي الناس رجال ونساء للتبرك به ، ولازالت المناسبة السعيدة (الزواج مثلاً )، مرتبطة به ، إذ أن الـهودج أو السيارات المُقِلّة للعروس ، لا تتجه رأساً إلى بيت الزوجية ، إلا بعد القيام بعدة لَفّاتٍ حول الضريح .
لـقد اكتسب هذا الولي ( تبجيلاً خاصاً ) و قصيدته الشعرية " الياقوت " ، لازالت في متناول الأفواه و القراطيس ، متواترة لدى العديد من مريديه ، أما المناسبة السنوية ، فتحول اسمها من (الوعدة ) إلى تـسمية ركب سيدي الشيخ" من الفعل ركب " ، بعدما طُلِب من أهل " أستيتن "ـ قديما ـ الركوب على ظهور أنعامهم " الخيل والبِغال والحمير" ، التي كانت أحسن وسيلة زَمَنَذَاك لمواصلة السير في اتجاه الأبيض س/ الشيخ ، وقد تعوّدها الناس حسب بعض الآراء ، بمجرد وفاة هذا الشيخ الصوفي ، علماً بأنها كانت في البدء فرصةً للتعارف بين القبائل ، وفض النزاعات والسعي إلى الصلح بين الناس ، لكن مع مرور السنين وتطور العقليات أصبحت مناسبة تجارية عموماً ، بل داخلها في بعض السنوات حتى لعب المنافسات الكروية ، والسهرات الفنية والاستمتاع بقصائد الشعر الملحون ، في حين ، لوحظت مظاهر حسنة كاستغلالها في معارض الكتب و قراءة القرآن الكريم من طرف تلامذة زاوية صاحب السخاء المعرفي وفقيه منطقة أدرار ، العلامة الفقيد/ سيدي الحاج محمد بن سيدي محمد عبد الله بن لكبير ، " المولود بتاريخ:1911 للميلاد ببلدة الاغمارة " قرية من قرى بُودَه الواقعة بالجنوب الغربي من أدرار، على بعد 25 كلم " حفظ القرآن و وَعَاهُ ، ومتون الفقه والنحو والتوحيد في سن مبكرة على يد عمّه الإمام / الطالب محمد التّمَـنْـطيـطي ترعرع في أحضان أسرته الشريفة القَدر، المنحدرة من سلالة الخلفاء الراشدين ( سيدنا عثمان بن عفان ـ ض ـ ) و تَجَشّمَ مصاعب الغربة عن الأهل في سبيل طلب العلم ، فعند بلوغه ، سافر به والده إلى " تَمَنْطِيطْ " بإقليم" توات " قِبلة العِلم وقتذاك ، تزوّد فيها بما شاء له المليكُ المقتدرُ من العلوم الشرعية والعربية ، من توحيدٍ ، فقهٍ ، حديثٍ تصوّفٍ ، تفسيرٍ ، فآدابٍ ونحوٍ ولغةٍ وصرفٍ ، على يد العلامة / سيدي أحمد بن ديدي ، عالمِ وقته وفقيه زمانه ، لازمه ثلاث (03) سنوات ، رغم قصرها الملحوظ مكّنته من الانتهاء من دراسة الفقه المالكي بالأمهات والتوحيد بالأدلة والبراهين ، والنحو والصرف واللغة ، مع سرد وشرح صحيح البخاري ،، تَخَرج على يديْه آلاف الطّلبة، هم اليوم أسرجةٌ تُنير المساجد والحلقات ، وطنيا و قارّيا " توفّاه المولى عز و جل ، يوم الجمعة:16 جمادى الثانية 1421 هـ ، المصادف ليوم :15 سبتمبر 2000 للميلاد، بعد أن أقعده الداء لِـسنين ، وبلغ من العُمُر عِـتِـيّا ، أفناه كافّتَـه صابرا محتسبا ، مُجاهدا ، مثابرا في خدمة العقيدة والوطن والأنام .
يجد تلامذتُه الموفدون من أدرار لهذه الغاية كل الترحيب و عوامل الراحة ، المعدَّة من قبل القائمين على ( الزوايا ) في مقدمتهم زاوية سيدي الشيخ ، التي يرأسها أحفاد الولي المقصود ، ثمّ زاوية سيدي الحاج بحوص، فعائلات ( لَقْرَابَه ) و ( البَوَّابَة ) ،و هم جميعُهم يُسمّون لدى العامة : "خُدّام الزاوية " ، الذين تظل منازلهم مفتوحة طيلة أيام ( الوعدة ) وعلى مدار السنة أيضا .
أرباب هذه العائلات ، يقومون بجمع الماشية وما إليها ( لَـقْـفَرْ ) أي النّذر ، من محبي سيدي الشيخ محلياً وفي الصحاري ، ومن لدن أتباع الولي عبر جِهات من الوطن ، وبذلك هم مُطالبون ـ عُرفيّا ـ بذبحها ( أيام الركب ) ، لذلك نراهم يجلبونها عند اقتراب المناسبة و معها أمتعة أخرى ومواد غذائية كـالسّمْن الحيواني ( أدْهَـانْ ) ، بالإضافة إلى التمر ومادة ( لَـكْلـيـلَـه ) أيضاً ، لإطعام ضيوف سيدي الشيخ ، دون استثناء أو محاباة ، كما جرت عليه العادة .
الرأي الثاني :حكاية الرجل المريض
هي مناسبة قديمة ، أي منذ كان ( سيدي الشيخ ) على قيد الحياة ، حيث كان الناس يأتونه مثقلين بالهبات ( تمر دهان ، ماشية .. ) ما يسمى ( لقفر ) ، لأنه كان عالماً يقصده الناس للتبرك به و بعلمه الصوفي (وقيل كان العازمون منهم على الذهاب لأداء فريضة الحج على الإبل يتركون لديه أبناءهم وديعة ، ليعلمهم حتى يعودوا لأخذهم و بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، ازداد تمسك الناس بالمكان الذي أمر صهرَه بدفنه في ثراه (الضريح الموجود الآن بالأبيض سيدي الشيخ ، المسمى باسمه ) .
لقد ألِف الناس المجيء إليه للزيارة والتبرك ويُقال أن الذي ابتدع هذه الوعدة رجلٌ من بَلْدَة ( أسْـتيتَن ) المجاورة لمدينة البيـض ( بعيدة عنها بحوالي : 30 كلم ) حيث كان مريضاً بمرض استعصى عليه علاجه ، فلجأ إلى سيدي الشيخ في حياته قائلا له : إنني أتعهد أمـامـك لو دَعَـوْتَ لي بارئي و مُصوّري كي يشفيني، وشفيتُ لأجعلنّ ( معروفاً ) سنوياً لك ، و بالفعل شُفي الرجل بإذن الله و أضحى ركب سيدي الشيخ ، لا طعم له إلا إذا جاءه مواطنو (أستيتن ) - ركب أستيتن - المُحمّل بالأمتعة على ظهور الأنعام فيضرب الخيم حول محيط الضريح (الجهة الغربية منه )، و يظل على امتداد خمسة ( 05 ) أيام مستمراً في الأدعية للولي ، حتى أن الرجل من (أستيتن ) لشدة تمسكه بالوعد المذكور، أصبح حين يرغب شخص في مصاهرته ، يشترط عليه أن يسمح لابـنـتـه بالذهاب إلى سيدي الشيخ للزيارة والتوسل ، ومن ميزات هذه المناسبة ما يلـي :
أولا: تقديم أُكْـلَةِ الكُسكُسي واللحوم الحمراء والمشروبات التقليدية للضيوف .
ثانيا: قراءة القرآن الكريم من طرف تلامذة زاوية الراحل الشيخ بلكبير ( أدرار ) ، رحمه الله .
ثالثا : أداء قصيد ( اليـاقـوت ) لصاحبها سيدي الشيخ داخل الضريح ( 178 بيتا من القريض الصوفي ) .
رابعا : الاستمتاع بلعبة الفروسية ( العَلْفَـه ) في بطحـاء ديار ( لاله ربيعة "زوجة البطل/ الشيخ بوعمامة ـ رحمه الله ـ ") والأهازيج الشعبـية والأغاني الفلكلورية ، باستخدام الآلة الموسيقية المسماة المزمار ( أي : القَايْطَه كما يحلو للبعض تسميتها ) والطبول والألعاب السحرية.
خامسا : التحلق حول (القوالين) ، المُركّزين غالبا على إنشاد قصائد الشعر الملحون ، بالاستعانة بمتمرسين على الآلة الموسيقية ، التقليدية المسماة: " القصبة " ، الشّـبّابَةُ البديلةُ عن النّاي المعاصر. .
خامساً : تنظيم معارض للتعريف بتراث المنطقة ( ثورة أولاد سيدي الشيخ و أول نوفمبر، فضلاً عن تدخل الدولة كظاهرة جديدة في تنظيم بعض المظاهر الاحتفالية كالافتتاح الرسمي من طرف السلطات( فرضتها أهمية الحدث و كثافة التجمع )، وتنظيم محاضرات أو ندوات ومباريات رياضية زيادة عن كونها فرصة سانحة للتجار القادمين من كل فج .
وإذا كان لابد من ملاحظة في هذا الصدد ، نؤكد أن هذه الوعـدة توقفت خلال حقبة الاحتلال ، لأن الفرنسيين كانوا لا تـفلت من أياديهم فرصة تُمكّن المواطنين من التجمع ، حتى فـي مثـل هذه الأمور غير السياسية ، لكن تم استـئـنـافها بعد الاستقلال ولازالت إلى حد الساعة تنظم سنويا ، علما بأن ظروف فترة التسعينيات ، لم تسمح بتنظيمها كالمألوف ، فاكتفى المواطنون القاطنون بعيداُ عن الأبيض سيدي الشيـخ بالإقبـال فُرادى و زرافات في الموعد نفسِه ، للزيارة فقط ، لكون السلطات المؤهلة أصبحت هي المحددة لموعدها ( اعتاد الأهالي ميقاتها في الفترة مابين شهر ماي و جويلية من كل سنة ) حسب الحال ، و تدوم خمسة أيام كاملة ( من الخميس إلى الاثنين ليلاً ، كانت تنتهي بتجمع ليلة الاثنين يُسمى عرفياً : " العَادَه " ، يُنظَّم بزاوية سيدي الحاج بحوص ، أحدِ أبناء سيدي الشيخ ، وقد كان لا يُسمح للزوّار بالرجوع إلى أهليهم ( قبل انتهاء التجمع ) ، إلاّ بترخيص من أحد مقدمي الزاوية ، و كان الناس أيامها يخشون الذهاب من تلقاء أنفسهم مَخَافَةَ أن يصيبهم مكروه أثناء العودة ، وقد لوحظ بعين المشاهدة ( بعد انتهاء هذه الوعدة ) مجيء زوبعة رملية معتادة !! .
الرأي الثالث : منطلقها ، صوفي بحت
يوم وفاة سيدي عبد القادر بن محمد ـ سيدي الشيخ ـ متأثرا بجراحه، عقب مَوْقِـعَةٍ مع الأسبان بنواحي و هران ( الجمعة الثاني من شهر ربيـع الأول سنة 1025 هـ ) توفي في موقع شرق بلدية أستيتن ، بأرض قبيلة أنكاكعة وقيـل بين بلديتي الكراكدة و أربوات حسب تحديد ( العياشي ) عن عمر يـناهز خمساً و ثمانين (85) سنة ) جاء لتشيـيع جنازته : ثلاثـمئة و خمسون (350) تلميذاً من تلامذتـه .
قام بتغسيله ( رحمه الله ) ، أخوه من الشيخ : سيدي أحمد بن موسى ، وبعد عملية الدفن ( في اليوم الرابع من شهر ربيع الأول من نفس السنة ) قرأ التلاميذ الستين (60) حزباً التي نزل بها الروح الأمين على سـيد الـخلق (ص ) ، في ليلة واحـدة ، ومنذ ذاك الزمن اعتاد ركب " أستيتن " لإحياء ذكراه ، أن يبيـت ليلة الخميس حول مَقَام سيدي سليمان ابن أبي سماحة ( جدّ هذا الولي ) المبني على حافة الطريق المؤدي إلى بلدية أربوات ( المقام : بعيدٌ عن الأبيض س/ الشيخ بحوالي:12 كلم ) ، ثم يواصل سيره يوم الخميس ( مشياً على الأقدام ، حُـفَاةً ) في اتجاه الأبيض سيدي الشيخ، ظل الحال كذلك إلى أن حل الغزو الفرنسي فتحولت إلى فرصة للزهو و الترويح عن الأمارة بالسوء ، فحدث أن انحرفت عن طريقتها المعلومة لدى الآباء و الأجداد والتي كانت متمثلة في:
* قراءة القرآن العظيم ( ختمه في ليلة واحدة).
* ترديد قصيد( الياقوت) لصاحبها:سيدي عبد القادر بن محمد ( سيدي الشيخ ) .
* تنظيم ما يسمى بـ ( الحضرة ) قي الصباح وعند المغرب .
* العمل على مساعدة الفقراء و المعوزيـن.
* تعويد الناس على المصالحة والتراحم ، بزرع المحبة والتآخي فيما بينهم. .
وجدير بالتذكير، أنه منذ سنوات السبعينيات تقرر إعادة الاعتبار إلى الوعدة ( ركب سيدي الشيخ ) والمحاولات لا زالت قائمة للمحافظة على أصالتها ، غداة وفاة الأب الروحي للمنطقة ( سيدي الشيخ ) ، الذي هو (من نسل الصحابي الجليل ، الابن الأكبر لشيخ الصحابة : عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق التَّيْمِيِّ ،القُرَشِيِّ ، خليفةِ رسول الله (ص).
ملاحظة : ظاهرة ( المزمار ) ومظاهر الترفيه جميعُها الملحوظةُ يومئذٍ ، تعتبر دخيلةً ليس على ( وعدة ) سيدي الـشيخ فحسب ، بل ينطبق الأمر على ( وعدات ) المنطقة عامةً ، باعتبار المنطلق الأصلي منطلقا صوفيا ، بعيدا عن المغالاة غير الـمُحبذة في الطرائق الصوفية .
ملحوظة : قيل سُمّي " الأبيض" بهذا الاسم ، نسبة إلى بئر ذاتِ تربة بيضاء كانت متواجدة قبل مُواراة الولي بالمكان ، ثم تمّ الوَصْل بين تسمية البئر والكُنية الأخرى للولي أعني: سيدي الشيخ ، فاستقامت العبارة كالتالي: الأبيض سيدي الشيخ ، ولا علاقة للآباء البـيض الذين استوطنوا الجهة في تاريخ متأخر ـ أوائل الثلاثينيات ـ بهذه الدلالة.