المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل انتهى عصر الفساد التقليدي ؟ (!)


حكيم
26-02-2009, 09:14
هل انتهى عصر الفساد التقليدي ؟ (!)
لا شك أن نظرية داروين عن النشوء والتطور‏,‏ وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها‏,‏ قد أدخلت مفهوم التطور في نظرتنا للأمور‏.‏ فالمجتمعات البشرية لا تبقي علي حالها بل هي تتطور بالانتقال من طور إلي طور جديد‏.‏ وينبئنا التاريخ أن المجتمعات قد تطورت من خلال مراحل متعددة قبل أن تصل أخيرا إلي مرحلة المجتمعات الصناعية المعاصرة أو العكس صحيح‏.‏ ولكن التطور لا يقتصر علي المجتمعات البشرية‏,‏ فاللغة‏,‏ كذلك‏,‏ تتطور بدخول مرادفات جديدة وسقوط ألفاظ وتعابير بالية‏.‏ وبالمثل‏,‏ تتطور الصناعة أيضا‏,‏ فما نراه من منتجات صناعية اليوم يختلف كليا عن الانتاج الصناعي في بداية القرن التاسع عشر مثلا‏.‏ والنظم الاقتصادية تتطور هي الأخري‏,‏ وقل مثل ذلك عن النظم السياسية المحلية بل والنظام الدولي السائد‏.‏
والفساد كذلك يتطور في الأساليب وطرق الحماية والحصانة مهما تطور التشريع لمواجهته فإن الحقائق تؤكد أن الفساد يبقى نفوذه أكثر ذكاء وهذه حقيقة يجب أن نعترف بها.. ومن بين فنون حماية الفاسدين أنفسهم اليوم إشعال الفتن وحداث بؤر التوتر وأخطر من هذا فن جديد أحدثه التطور يسمى اختراق مهنة النبل الصحافة واستعمالها كأداة للتحكم في مراحل تأزيم الوضع وتعفينه بالشكل الذي يحقق هدف أو مخطط الفاسدين في تصعيد الدمار فحين تشتعل الفتنة فإن العدالة بكاملها ستصبح في يد الفاسدين للإنتقام من هذا أو ذاك لإبعاد شبح الخطر من أمامها..ولهذا فان الكثير ممن يعتقل يظهر فيما بعد أنه برئ وليس له علاقة إطلاقا بما جرى..(!)
ولا تستغرب إذا قلنا أنك بإمكانك حتى أن تجند فاسد أو مسوق سابق للمخدرات ليتقمص لباس الإعلامي ويحمل أمر بمهمة المهني ولكن الفرق بين هذا وذاك أن هذا الأخير يتلقى الأوامر من شبكة الفاسدين والنافذين لتحريك الإضطرابات ضد هذا المسؤول أو ذاك..(!)
وهؤلاء قادرون أن يقلبوا البساط من مسؤول لتعويضه بآخر جاهز ويتوفر على خصائص الرضوخ لتعليمات الفاسدين الكبار والنافذين لا للقانون والعمل المنصف.. وخاصة إذا كان الفساد وراءه شخصية نافذ صاحب مشاريع ويسحب الأموال لتحقيق تلك المشاريع من البنك كأنه هو مدير البنك و بدون الإلتزام بالشروط المتعارف عليها قانونا.. أو صاحب مقاولة كبرى تمتص ملايير الصفقات بدون المرور على قانون الصفقات كلما في الأمر أن إجراءات شكلية تتم ولا أحد بإمكانه قادر أن يقول لا..(!) لأن قوة قانون النفوذ المهيمن في هذه الولاية أو تلك يقتضي هذا..!
والفاسدون الكبار يحمون الأعوان الصغار الذين يستخدمونهم في تحقيق مشاريعهم.. وأساليب الحماية عديدة وعندما تنكشف بعض الأوراق تكون الفتنة وتحريك الإضطرابات أقرب طريق للحماية ولهذا أساليب وفنيات ومختصون جاهزون لتنفيذ المهمة..بل وأحزاب جاهزة للقيام بمهمة التأليب والتجنيد والتمويه والترويج بعد ذلك لبيانات التنديد والندب مقابل مناصب يتلقاها الحزب في مجلس ما..(!) لأشخاص لا تتوفر فيهم أدنى مستوى علمي أو تجربة في القطاع المكلفين به.. فالربح هنا ربحين..عندما يكون المنتخب ليس له أي تكوين له علاقة بالمهمة الموكلة إليه.. يسهل حينها تمرير أي شئ.
وقد لا تصدق إذا قلنا أن هؤلاء كلما كان نفوذهم واسع كان تدخلهم بل وتأثيرهم أقوى بل وهؤلاء قادرون حتى بإبعاد مسؤول سامي في العدالة منصف وصاحب ضمير ربما أظهر عزمه على مواجهة ملفات الفساد بكل جرأة وحياد وتعويضه بآخر تحت الطلب إما ضعيف أو صاحب نقطة ضعف سهل الترويض والتوجيه ضد هذا وذاك أو تعويضه بمسؤول مقرب عائليا وهذه هي الطامة الكبرى فيصبح هو المشرف على الجميع يكيف القضايا ويحرك الملفات كما يريد وفي اللحظة التي يريد.. أي أن موضوع ما يسمى بقانون مكافحة الفساد والرشوة يصبح كله مجرد " أوهام"..(!)
وقد كتبنا مؤخرا أي قبل نشوب أحداث بريان عن ذلك المقاول الذي لا يتوقف عن التردد على مكتب نائب عام وكان هذا المقاول معين بمرسوم رآسي وجزء من هيكل العدالة في حين أن نفس المسؤول لا يستقبل المتقاضين الذين يواجهون مشاكل ومفارقات وعقبات تفقد الإنسان أعصابه.. ويفترض أن يطلع عليها مسؤول العدالة حتى من باب معرفة ما يجري في الواقع وبهذا تصبح صورة العدالة مهزوزة في عين المواطن الذي علم ويرى الكثير من هذه الصور ولكنه لا يستطيع أن يتكلم مخافة الإنتقام وتصفية الحسابات..
واليوم تطور الأمر فأصبح ممثل نيابة هو الذي لا يتردد من التوجه إلى موقع المقاولة أو "المطحنة" التي بسببها يطحن الخلق بشهادة العمال بفعل العلاقات الحميمية الخاصة جدا..(!) التي تربطه بهذا الأخير أما لماذا وما عواقب مثل هذا التصرف الذي يمس من مبدأ الحياد في الصميم..؟ فالعلم عند الله..
وقد نجند التلفزيون يروج لمشاريع الفاسدين من حيث لا يشعر بل وقد يشاهد الناس الرئيس وهو يضع حجر الأساس أو يدشن مشاريع الجميع يعلم وخاصة من المهندسين المعماريين أنها خرقت كل قواعد الصفقات وتشريعات التعمير واستنزفت من خزينة الدولة الملايير ولا أحد قادر أن يقول لا..(!) ولا أحد قادر أن يقول لا.. هذا كذب على الرئيس والقاضي الأول في البلاد.. رغم أن الكثيرون يعلم أن الأمور والإجراءات تمت بخرق كل القوانين وفي وضح النهار وأمام مرأى الجميع..ولهذه المهمة مهندسون لهم تكوين عالي في أساليب وطرق الخرق والإحتيال على القانون وإبعاد المهندسين الحقيقيين الذين يفترض ألا تنجز تلك المشاريع إلا بعد إعطاء رأيهم العلمي ولكن هؤلاء يتحولون بحكم منطق قوة قانون النفوذ الذي يفجر للإضطرابات لا قوة القانون لجلب الرحمة والتحضر.. إلى مجرد موظفين صغار لا يخضعون إلا لتعليمات هذا المسؤول أو ذاك.. إلا للقواعد العلمية والضمير والقانون فلا..(!)
وهكذا فإن اليوم كل شئ يخضع للتطور ولكن نحو الإتجاه المعكوس أحيانا..ونسأل لماذا هزنا الطوفان ودمر مآت إن لم نقل آلاف المنازل.. ؟
في الملتقى الجهوي المنظم الأسبوع الماضي فقط بورقلة حول مكافحة الجريمة المنظمة للقطب القضائي بالجنوب قال أحد المسؤولين ولا داعي لذكر الوظيفة أن العديد من الشركات ظاهرها شركة ولكن باطنها شئ آخر مخالف تماما ولعل بعض الشركات التي أنشأت صحفا هي كذلك ظاهرها صحافة ولكن باطنها شئ آخر وهو إشعال الفتن وتحريك الإضطرابات هنا وهناك وحماية الشركات الخطيرة من الحساب بإثارة النعرات العرقية أو المذهبية كلما تبين أن بعض أوراق نفوذ الفساد بدأت تنكشف..(!)
كل شيء يخضع اذن للتطور‏.‏ وقد أصبح هذا المفهوم‏(‏ التطور‏)‏ هو إحدي أدواتنا الفكرية‏,‏ نستخدمه في مختلف المجالات بتلقائية واقتناع كبير‏.‏ وهو إحدي نتائج نظرية داروين‏.‏ ولكن كيف يحدث التطور؟ هناك مدرستان‏,‏ الأولي هي التطور التدريجي البطيء وغير المحسوس‏,‏ حيث نتغير كل يوم بدرجات صغيرة‏incremental,‏ حتي نكتشف بعد فترة أننا إزاء ظاهرة جديدة تماما‏.‏ فانظر إلي ابنك الصغير‏,‏ فما تراه منه اليوم لا يكاد يختلف عما كان عليه بالأمس‏,‏ وفجأة تكتشف أنه أصبح غلاما ثم شابا بل رجلا ناضجا ورب أسرة‏,‏ وكان بالأمس غير البعيد رضيعا لا حول له ولا طول‏.‏ كيف حدث ذلك؟ إنه التطور البطيء والتدريجي‏.‏ وهو سنة الحياة‏.‏ ولكن داروين أشار إلي نوع آخر من التطور ليس عبر التغييرات الصغيرة والمتتالية‏,‏ وانما عبر الطفرات وقد رأي داروين أن هذه الطفرات هي الأكثر أهمية في تفسير تطور الكائنات الحية‏.‏

وأيا كان الأمر‏,‏ حول أسلوب التطور‏(‏ تدريجي أو بالطفرات‏)‏ فقد كان السائد هو أن العلم نفسه كظاهرة اجتماعية يخضع بدوره للتطور التدريجي المستمر‏ والفساد كذلك.‏ فهو ينتقل من المعرفة البسيطة إلي المعرفة المركبة بناء علي مكتسبات الماضي‏.‏
فعندما تحترق مدينة ويقتل عديد الأشخاص وتحرق منازل ناس أبرياء ولا أحد يعلم لماذا حدث كل هذا..؟ ويظهر أعوان يمثلون الدولة في شريط فيديو وهم يحركون الأحداث ويحرضون وتقدم كدليل للتحقيق ولا أحد يتحرك أو يفعل شئ وقد قدمت هذه المرة للوزير شخصيا نسخة من مثل هذه الأشرطة..(!) وتأتي هذه الصحيفة أو تلك وتقول لنا وفي عنوان بالبنط العريض بأن السبب هو وجود صراع عرقي أو مذهبي وكأن هذه الصحف تريد أن تضحك علينا في حين لا تتحرك نفس الصحف قيد أنملة بل ربما غير قادرة على تسليط الضوء على ما تحويه هذه الأشرطة من مفارقات تظهر الخيط الذي يحرك للأحداث في كل مرة أو تتناول ملف واحد من ملفات الفاسدين التي بسببها تم تحريك الشارع وتوريط الخلق.. وقد تفبرك لنا "صحيفة عمرها عام ونصف" نشأت مع بداية انكشاف ملفات جد خطيرة لشخصية نافذ خبرا مثيرا يساعد على تحقيق خطة تحريك التعفن وتعميق النزاع وإسالة المزيد من الدماء ثم بعد ذلك تعلن أن القصة المنشورة خطأ..(!) وأن مصدره غير موثوق وتقول أن من باب المهنية تقدم الإعتذار..أي بعد خراب البصرة طبعا.. وهل هذه مهنية..؟
والأخطر أن هناك جهات أجنبية لها أجندة استعمارية ذات علاقة بهذه الشركات وتوجهها الوجهة التي تريد فكلما كان نجاحها في خلق التعفن في مكان ما أكثر كان دليل نجاح وقدرة..(!)
ولعل أسلوب هذه الشركات الإعلامية في الترويج للفتنة العرقية والمذهبية في المنطقة التي لم تنجح فيها ما يسمى بأوهام "القاعدة" وهو تنظيم من إنشاء جهاز المخابرات الأميريكي السي أي أي بالتنسبق مع الموساد الصهيوني بواسطة بعض أجهزة الاعلام التابعة لتوسيع رقعة التفعن في هذا البلد أو ذاك من أجل تحقيق مزيد من الهيمنة و رفع من حجم صفقات شركات التسلح بتحقيق مزيد من الدماء والصراعات.. وفي كتاب حديث بعنوان فائدة القوة‏""TheUtilityOfForce يذكر أحد الجنرالات الإنجليز روبرت سميث‏,‏ أن عصر الحروب التقليدية قد انتهي‏,‏ وأننا نعيش الآن عصر الحروب وسط الناس‏.‏ وهو نمط جديد للحروب ومختلف تماما عن نمط الحروب التقليدية والذي استقر في العلوم العسكرية‏.‏وهذا نوع آخر أخطر للتطور تتفنن فيه حتى بعض الفضائيات التي لها تبعية لهذه الشركات وعلاقة وطيدة بنفس الصحف في غياب مجالس قادرة لأخلاقيات المهنة الصحفية لتكشف مثل هذا الأنحراف الخطير الذي أصاب مهنة النبل في الصميم وهذا موضوع أخر رهيب في التطور المعاكس سنعود إليه في ملف لاحق بالكثير من الحقائق..
هل فهمتم الآن يا سادة لماذا لا تتوقف "بروفا" بريان بدماء أبرياء وبريئات.. ؟ أليس هذا نوع من التطورالذي وصل إليه الإجرام الخطير في البلد..؟ ح.د.نجار